قناديل: البصرة وغياب دولة الضمير

اسم الكاتب: لطفية الدليمي رقم العدد: 4263 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/1/2018 8:17:31 PM

 لطفية الدليمي

تسود ثقافة المغالبة في النهب والتواطؤعلى تغطية الفساد لدى ساسة العراق والفئات المجتمعية المنتفعة من فتات عطاياهم ،يغترفون من نفط البصرة عوائد خرافية ويسهمون في خرابها على نحو يبدو مقصوداً : فتوضع المعوِّقات أمام المشاريع الستراتيجية كمشروع الفاو الكبير ومحطات تحلية المياه ويخرسون أمام دول الجوار وهي تلوث البيئة والأنهار بمياه مبازلها، يستخفون بالاحتجاجات والمظاهرات والضحايا ولايأبهون بما يتعرض له المواطن من تسمم وأذى، يتعاملون مع المواطن باعتباره كائناً زائداً عن حاجتهم لاحقوق له، وهو في حساباتهم كائن طارئ يزعج تقواهم الزائفة ويفضح سرقاتهم وفسادهم ، فيتسابقون لتدمير حياته درءاً لخطره ،ويتغاضون عما يسمم روحه وجسده طالما هم آمنون في مستنقعهم الأخضر.
لكي يصبح المرء رجل سياسة عن طريق الانتخابات المسيطر عليها في الدكتاتوريات سيفوزبنسبة 99% وبلامنافس، وسيصل الآخرعن طريق الانتخابات المزورة والفتاوى والانحيازات الطائفية والعشائرية،وهو جاهل بأساليب الحكم ومنفّذ لسياسات دول يواليها، وقد يكون بعضهم طموحاً عاشقاً للعظمة ولاعباً محترفاً يراوغ لبلوغ السلطة والثروة؛ فيحوز بعض نجاح ويبرز في حقل السياسة الملغوم بالتحديات لكنه يودي ببلاده الى التهلُكة، ولكن أن تجتمع في السياسي أسوأ صفات هؤلاء، فإنه سيكون أنموذجا للخلل وسوء الإدارة وانعدام الضمير، سيكون لاعباً سيئاً يفتقرإلى الحد الأدنى من الثقافة اللازمة لقادة الدول ،تحيط به هالة سوداء من دجل وعفونة موت الضمير؛ هذا هو الأنموذج السياسي الفظ الذي يتسيد لحظتنا الجحيمية فيتحكم بمصير البلاد ويتعامل بعقلية القرون السالفة مع موضوعة الحريات والحقوق، ويقف خارج اشتراطات التحولات الكبرى: يروج للعنصرية الطائفية ويؤمن بقدرة حجرالعقيق والفيروز على التحكم بالأعداء والمصائر ويلوذ بالتعويذات والرُقى لكسب النصر في عصرالتطورات العلمية المتلاحقة واستخدامات الذكاء الاصطناعي والكشوف العلمية العظمى، وللمفارقة، فإن أنموذجه لايحتاج الى حجر سحري لاستجلاب الثروة فميزانية البلاد متاحة له ولشركائه ومحرمة على الوطن والمواطنين .
يقدم هؤلاء الساسة وعوداً فردوسية قبيل مهرجان الانتخابات البائس ،يلوحون بجنة أخروية يضمنونها بانصياع الناخب لفتاوى غير معلنة، ويعدون بتوظيف عوائد النفط للارتقاء بالخدمات والرعاية الصحية والقضاء على الفقر ورفع مستوى التعليم وبناء المستشفيات. لكن ما الذي يحدث بعد استلام السلطة ؟ كل ما ينجزونه هو تشييد عشرات الآف دور العبادة وانتاج المزيد من المعممين وإهمال بناء المستشفيات المتخصصة وتعزيز الصحة باستيراد علاجات واجهزة حديثة والعمارات السكنية ومشاريع تنقية وتحلية المياه في البصرة وصيانة السدود.وهانحن نرى أطفال العراق يدرسون في مبانٍ طينية تحيطها المزابل والمستنقعات والمرضى يلوذون بالهند للعلاج وتتفاقم أعداد المشردين والطلاب المتسربين من المدارس بسبب الفقر وفقدان المعيل في التفجيرات والحروب الاهلية.
تتغاضى دولة المحاصصة عن حقيقة جوهرية مفادها إن الدولة الحديثة هي أساساً دولة مدنية وظيفتها تقديم الخدمات وحماية المواطن وموالاة الوطن، غير أن حكومات المحاصصة أكملت خراب الحروب بتوجهات ثيوقراطية تروج للجهل والاتكالية ، فلا حمت مواطنين ولاعززت الخدمات بل تكاتف ممثلوها على تدمير المدن وتشويه هويتها الثقافية وإذلال المواطن ونسف مفهوم المواطنة والاتكاء على الانتماء الطائفي والعرقي والعشائري .
لن تجدي بعد كل هذا أية احتجاجات طالما كان أساس نظام الحكم منتجاً للفساد، فالأجدى بدء العمل على رفض نظام المحاصصة واعتماد دولة المؤسسات وتغيير نظام التعليم الذي سيضع الحجر الأول في بناء الدولة المعاصرة، وكل هذا لايتم إلا بوضع دستور جديد يتضمن قوانين مدروسة من بينها قانون الأحزاب يحرم الأحزاب الدينية وقانون انتخابات يحرم على رجال الدين ممارسة السياسة وعندها فقط سيكون بوسعنا مطالبة الدولة بالخدمات واحترام كرامة المواطن وحماية صحته وحياته.