قناديل: هل نمتلك وطناً ؟

اسم الكاتب: لطفية الدليمي رقم العدد: 4252 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/3/2018 6:43:44 PM

 لطفية الدليمي

تحفل ثقافتنا ومناهجنا والخطابات الحماسية في المناسبات الرسمية بمصطلحات رسخت في الأذهان بحكم ترديدها من قبل الساسة ووسائل الإعلام القومية والطائفية ،ويجري تداول هذه المفاهيم من غير إخضاعها للتساؤل باعتبارها من الحقائق التي لايمكن مناقشتها كمفهومنا للوطن، حيث يؤكد الخطاب التعليمي والرسمي على أن الوطن يقوم على أركان محددة هي : الأرض واللغة المشتركة والروابط التاريخية والهوية الموحدة والذاكرة الجمعية التي تتوارثها الأجيال المتعاقبة حسب .
الوطن تعريف مستحدث لم تعرفه وتتداوله النصوص القديمة ؛ بل ظهر لدى نشوء الدولة القومية أو الدولة - الأمة في أوروبا بعد انحلال سلطة الكنيسة ، وقامت الدولة القومية على أساس مشيئة العيش المشترك لمواجهة خطر الحروب التي شكلت تهديداً دائماً للبشرية .
لم تُعرف فكرة القومية في المدونات الفكرية والفلسفية بمعناها الحديث إلا عند أواخر القرن الثامن عشر ، ثم ترسخت فكرتها في القرن التاسع عشر. قبل ظهور الفكرة القومية قامت الحضارات القديمة بمافيها الحضارات الهندية والرافدينية على أساس ديني ، واستخدمت تلك الحضارات لغة مهيمنة واحدة فقد سادت اللغة اللاتينية في أوروبا التي تدين بالمسيحية ، بينما ساد الشرقين الأدنى والأوسط الدين الاسلامي واللغة العربية. وعندما خضع الشرق وبعض دول أوروبا للهيمنة العثمانية سادت اللغة التركية.
ظهر مصطلح ( الوطن ) للمرة الأولى عندما استخدمه غويسيبى ماتزيني الزعيم والسياسي القومي الإيطالي عام 1835 وبعدها تبنّاه كتاب ومؤرخون وسياسيون لدلالته المهمة في الثقافة الغربية عندما احتل مفهوم القومية مكانة بارزة في الفكر السياسي والتاريخي والثقافي، غير أن تناقض دلالته واختلاف الدور التاريخي والاجتماعي والفكري للدولة القومية أثار الكثير من الجدل حول تحديد عناصر مفهوم الوطن ، فقد كان الوطن في النظام الإقطاعي والملكيات القديمة يشير إلى الولاء المطلق ، وعندما انبثق الصراع بين الكنيسة والملوك والزعماء ذوي النزعة القومية ، عنت كلمة الوطن للناس الولاء المحدد إما للملك أو للكنيسة . فهل بقي مفهوم ( الوطن ) الذي تداولته الثقافة الغربية وانتقل إلينا وعدّ من نتاج عصر الحداثة ، على حاله ؟
لقد طرأت على عالمنا تغيرات متلاحقة إثر الحربين العالميتين ومعارك
الاستقلال التي خاضتها الشعوب الخاضعة للاستعمار وماتبعها من ثورات وانقلابات عسكرية ومانتج عنها من استقطابات عرقية وقومية حادة اتخذت أشكالا عنيفة في بعض البلدان ، ثم بزغ عصر العولمة وصار العالم قرية كونية مما وهيمنت ثقافة عولمية تضمنت في تضاعيفها بذور صراع الهويات، وظهرت متغيرات حاسمة أفرزها اقتصاد السوق وتفكك المنظومة الاشتراكية من جهة، وشن الحروب الماحقة كحرب احتلال العراق وثورات الربيع العربي، ومانتج عن هذه الاختلالات من موجات هجرة جماعية وتغييرات ديموغرافية رافقته ردة فعل هوياتية فجّرت صراعات دينية وقومية وطائفية دموية في منطقتنا.
في ظل كل هذه النزاعات والتحولات الكبيرة وهيمنة وسائل التواصل والتغيرات الديموغرافية الواسعة جرّاء الهجرات، ظهر توصيف جديد لمفهوم الوطن تبنته الحكومة الالمانية لا يتعلق بالمكان فحسب، بل يتحقق مفهوم الوطن حيثما يشعر الأفراد بالراحة والقبول والأمان والتطلع نحو المستقبل.
إزاء هذه الفوضى الجائحة وانحلال عناصر وصيغة الدول القومية ، يصبح الوطن حيثما يشعر المرء بالراحة والطمأنينة إلى جانب امتلاكه إمكانيات لتجاوز التحديات المستجدة والتطلع نحو المستقبل، ويصبح مواطنا عندما توفر له الحكومات حلولاً للمعضلات الحياتية وتضمن تمتعه بالحقوق والحريات ، ولاأظننا في العراق اليوم نمتلك وطناً معاصراً فنحن نعيش اليوم في لحظة ارتدادية نحو اشتراطات الدولة الدينية ماقبل الدولة القومية.