قناطر: وماذا بعد جنازة مكي عاشور؟

اسم الكاتب: طالب عبد العزيز رقم العدد: 4266 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/4/2018 8:57:24 PM

 طالب عبد العزيز

لن تترفق الطبيعة بسياسي البصرة فتمنحهم المبكر من مائها السماوي أو المدخر منه في الأرض، قبل أن تبلغ تظاهرات الشباب غايتها في تسفيه آلية ونظام الحكم في العراق. خابت ظنون محترفي الكذب والدجل والتمتع بالرضيعات والخرطات الألف. بين وجهتي النظر (الحياة وقوامها والسياسة ونذالتها) يقف البصري اليوم، مقدماً أنموذجاً قاسياً للاحتجاج ومتظاهراً صلباً، مطالباً بما هو أبعد من الماء والكهرباء والخدمات، هناك أفق يتشكل خارج الأطر هذه، ونشدان لما يجب أن تكون عليه الأيام والشهور والقادم من السنوات، إنها الحياة، نعم، هل كان العراقي يملك حياته كما يجب، أبداً.
فكرتُ طويلاً، في كلمات والد الشهيد مكي عاشور، الذي سقط برصاص القوات الأمنية في تظاهرات أمس الاول بالبصرة. كان يقول لضابط الشرطة:" دعني، أكشف عن وجهه، هذا ابني، الذي سقط شهيداً من أجل البصرة". لم يأسف على رؤيته ميتاً، كان قوياً، شجاعاً بحق، وكانت نظراته متفرسةً، تتطلع مع الذين كشفوا عن موقع الرصاصة التي ضربته، لم يخف عليه وهم يقلبونه، أبداً، إنما ظل يتحدث بدمع جامد عن موقف ابنه، الذي خرج متظاهراً، مطالباً بحقه في الحياة، حتى لحظة سقوطه مقتلولاً. مشهد جديدٌ يتأسس في المدينة التي سرقت، والتي لم يتنبه لمواجعها أحد منذ عقود، هذه خلاصة، لم تكن وليدة ماء مالح ونقص في الخدمات، هي بحثٌ دؤوبٌ عن فصول لا تعد، لحياة كانت كاملة، أريد لها أن تتمزق داخل كتاب كبير يستل كلما أريد أخفاؤه، اسمه البصرة.
يبحث الانسان العراقي في ما يبحث، عن صلة له بالحياة، التي يحياها الآخرون، في البلدان التي تجاوره، والتي يسافر لها، يقارن بين أداء حكومته والحكومات هناك، بين الخدمات المقدمة، بين الشوارع والاسواق والحدائق وفرص العمل وأماكن الترفيه والسهر فتصعب المقارنة عليه، ولو تطلعنا في وجوه المتظاهرين لوجدنا أنَّ 95% منهم من الشباب، هذه الطاقات التي يعول عليها في البناء والنهوض وتحقيق المستقبل الآمن، والتي تواجه بالرصاص وخراطيش المياه الحارة والمالحة هي التي يعول عليها في رسم وجودنا بين الأمم وتحقيق حياة أجيالنا القادمة، لكنها بُعثرت في السياسات الخاطئة والحروب والتجهيل، على أيدي نفر عنوانه الفشل، ولا يعي آلية إدارة الدولة. ولكي يؤمنوا ديمومة العجلة الخربة، التي تقلهم كل أربع سنوات الى مبنى البرلمان، أنتجوا لنا جيلاً جُبل من التشدد والتعصب والطائفية والعشائرية والبغضاء، جيل قلما يفكر بغير البندقية حلاً في أزماته، حتى مع نفسه.
أحدّق في عيني والدة الشهيد مكي عاشور، التي حملت صورته في التشييع، أمس الأول فأرى إنها لم تغير من لون ثوبها المنزلي، ظلت تسير في الموكب الطويل تغالب شجنها، لكنني أبصرت دمعاً جامداً ويدين تحملان زجاجة أمل بعثرها الرصاص. كانت السبل سالكة تماماً أمامها لكي ترى ابنها وهو يدخل البيت، قادماً من مقر عمله، حاملاً أكياس الفاكهة والخضار، ثيابه نظيفة، وعيناه تقطران سعادة، وما ذلك بمعجز، لو كانت إدارة البلاد تعي ماذا يعني أن تسير أمٌّ في جنازة ابنها طويلاً. مسافة محرقة وحديث خفي طويل بين راهنين لا ثالث لهما، لم يتحقق أولهما، فيما تحقق الثاني بكل فجائعه.