مـاذا نقول للبـصرة

رقم العدد: 4268 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/8/2018 11:36:48 AM

 د. أثير ناظم الجاسور

ما أن نُجري مسحاً كاملاً للأحداث الجارية في مدينة البصرة العزيزة حتى تُرسم في مخيلتنا صورة تعطي انطباعاً بشعاً رسمت بألوان باهتة لا تحمل كل معاني الحياة تُصور حكومة متمثلة بأشخاصها وهم جالسون في غرفة زجاجية محكمة لا يصلها الصوت ينظرون بعين للامبالاة على أناس يموتون جوعاً وعطشاً وكأنهم من كوكب آخر يؤدون أدواراً صامتة على مذبح الحرية، فطلب ماء للشرب لكي يستمروا بالحياة لا تعني الجالسين في تلك الغرفة فالماء يمكن أن يستبدل بأي مشروبات أخرى سداً للنقص لتفادي الموت عطشاً.
أما صورة الواقع فتثبت لنا إصرار الطبقة الحزبية على أن تسلك طرقاً بعيدة عن تطلعات الشعب وعن آماله وأحلامه التي قتلت بفساد هذه الطبقة التي لا تريد أن تعترف بفشلها، وفشلت في ايجاد حلول جذرية لكل المشاكل التي تسببت بها بالمحصلة لم يحصد الشعب سوى الخذلان والانكسارات، والواقع ايضاً يقول لنا إن الجالسين في تلك الغرفة يسمعون ويرون صرخة العوز والجوع والعطش والحرمان غير آبهين بها لأنها لا تشكل لهم أي رقم في معادلة كتلتهم الأكبر التي أخذت كل اهتمامهم حتى باتوا يتصارعون على هذه الغنيمة أو تلك باسم الشعب وحياته، فالعراق وشعبه قد اختزلوا ببرميل نفط وسيارات فارهة ومخصصات مناصب وارقام مالية خيالية تصرف على ملذاتهم، لأنهم وباختصار يرون أنفسهم أحق بها لأنهم قادة ومناضلون أما الشعب فهم عبيد وقود لهم ولسياساتهم التي كانت سبباً بالخراب الذي نعيشه.
ربما يرى الكثيرون إن ما يحدث في مدينة البصرة قد فاق التوقعات لمدينة أعطت الكثير وخسرت الكثير لكن الحقيقة تقول إن ما يحدث يعتبر شيئاً طبيعياً لأحزاب تحاول التمسك بالمكتسبات التي جنتها طيلة هذه السنوات، وعند تخصيصنا للبصرة هذا لا يعني إننا ننكر عمل وتضحيات المحافظات العراقية العزيزة الاخرى، إنما ما يحدث في محافظة البصرة جريمة إبادة حقيقية ترتكب ضد الإنسانية تعاقب عليها القوانين الدولية وحتى المحلية، فمجابهة شباب خرجوا بالمطالبة بحقوقهم بالرصاص الحي وقتلهم لا تعكس سوى عجز السلطة على احتواء أزماتهما التي كانت هي السبب الرئيس في افتعالها، لا يوجد أي مبرر للعنف الذي تعاملت به الحكومة مع المتظاهرين ولا يوجد أي مبرر ان تكون البصرة شريان العراق الاقتصادي بهذه الحالة المزرية، ولا يوجد مبرر أن يُعامل شباب البصرة على إنهم قطاع طرق وخارجين على القانون.
على مدار هذه السنوات ونفط البصرة هو المحرك الاساس لكل العمليات الاقتصادية والسياسية والحياتية العراقية وشباب البصرة وقود المعارك التي تقودها السلطة، فالقضية الأولى من المنطقي أن تكون هذه المدينة هي الأولى بالبناء والإعمار هذا إذا ما افترضنا على أنها يجب أن تكون العاصمة الاقتصادية للعراق، لكن الاهمال الحكومي في دعم المشاريع ومعالجة القضايا الاساسية وتحقيق مستويات من التنمية في هذه لمحافظة هو سبب ما وصلت إليه الأحداث اليوم، وإلقاء اللوم على شباب طالب بحقوقه كانت من أقبح الأعذار التي زادت من حدة الغضب والإصرار على تحقيق المطالب مهما كانت الأثمان، القضية الثانية اقحام القوات الأمنية في صراع بينها وبين المتظاهرين من خلال إظهار صورة للعالم إن القوات العراقية تقمع متظاهرين سلميين إو إنها سيف السلطة المسلط على رقاب الشعب، وهذا سيكون له عواقبه المستقبلية على المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، أما القضية الثالثة هو ترك بعض الثكنات العسكرية فارغة ومجهزة بالأسلحة وكأنه إعطاء الضوء الأخضر لبعض المندسين من أن يستولوا على هذه الاسلحة ويباشروا في مواجهة القوات الأمنية وهذا ما تريده الأحزاب لقمع عدد أكبر من المتظاهرين السلميين، إلى جانب زج مجاميع تحاول الصِدام مع المتظاهرين باسم الجيش العراقي لكسر صورة الجيش وزعزعة الاستقرار،من جانب آخر من مندسي الاحزاب التي تباشر بحرق المؤسسات الحكومية لما تحتويه من ملفات فسادهم وصفقاتهم المشبوهة ومن ثم إلقاء اللّوم على الشباب المحتج.
إن الاجراءات الحكومية كانت ولا زالت قاصرة على تحقيق أدنى المطالب لأنها وبكل وضوح لا تمتلك القدرة على تحقيق اي شيء فهي عجزت في السابق وفقدت المبادرة في الوقت الحالي، وعليه فأنها فقدت شرعيتها على اعتبار الشعب مصدراً للسلطات مما يعطي انطباعاً على ان تشكيل حكومة قادرة على تلبية متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين مسالة في غاية الصعوبة وميزة لا تمتلكها الأحزاب الحالية، والنتيجة فان أي تشكيل حكومي قادم مبني على ذات الأسس السابقة يكتب له الفشل لانعدام الثقة وعدم تواصله مع المواطنين، ونحن نناقش حيثيات الفشل والفساد والمحاصصة والاجراءات الحكومية الضعيفة وما تنوي الأحزاب الحاكمة فعله ما تزال البصرة تعطي وبسخاء دون ملل أو كلل ومازال نكران الذات عنوانها فلم تكتفِ بضخ النفط لعيش العراقيين لا بل راحت تُعطي فلذات أكبادها من أجل كرامة بلد سلبت كرامته وسيادته وعنوانه تحت مسميات مزقت أوصاله، ما زالت البصرة تعطي أغلى ما عندها فهي اليوم تموت من أجل أن يحيا الجميع.