ما الذي تفعله النساء!

رقم العدد: 4268 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/8/2018 11:39:52 AM

 د. لاهاي عبد الحسين

جاء في موقع "عراقيات"، الألكتروني أنّ النائبة المخضرمة السيدة آلا طالباني عن تحالف بغداد طالبت الـ 82 عضوة  ممن حصلن على عضوية مجلس النواب العراقي بدورته التشريعية الحالية والمنتميات إلى مختلف الكتل والأحزاب السياسية الممثلة فيه الإنسحاب من جلسة المجلس بهدف الضغط للحصول على تمثيل عادل في الكابينة الوزارية الجديدة. وكانت طالباني قد عبرت عن ذلك بكلمة ألقتها في ندوة دعت إليها شبكة النساء العراقيات ومسار كهرمانة عقدت ببغداد أشارت فيها إلى تغييب كبير لحق بالمرأة العراقية في عملية تشكيل الحكومة المقبلة مما يتطلب "أنْ نرفع صوتنا عالياً ... لمنع هذا التغييب".

وناشدت السيدة النائبة المشتركات بالندوة الخروج بتوصيات تلزم المجلس بإختيار إمرأة واحدة على الأقل لمنصب نائب رئيس مجلس الوزراء والسماح للمرأة بالتمثيل في لجنة الأمن والدفاع النيابية وضرورة تفعيل القوانين المعطلة ذات المساس بمصالح النساء. يذكر أنّ الإنسحاب من جلسة مجلس النواب صار تقليداً يتبع من قبل أعضاء مجلس النواب العراقي في دوراته المتعاقبة ويستخدم كوسيلة من وسائل الضغط ليس لتحقيق مطالب شعبية عادلة وإنّما للدفع بالمقترحات والأفكار ذات الصلة المباشرة بمصالح كتلهم وأحزابهم. وسيلة رجالية إخترعها رجال يؤمون كتلاً وأحزاب بعقلية رجالية غاب عنها صوت النساء ومسحتهن ذات النزعة للعمل والإلتزام والحرص على أدائه بأفضل ما يكون من حيث الدقة والتمحيص والإلتزام الأدبي والأخلاقي الذي تعرف به النساء، عادة. ويبدو أنّ هذا هو الدرس الذي إلتقطته هؤلاء النائبات ممن جاء معظمهن ضمن ما أصطلح عليه بـ "الكوتا"، للمساعدة على تمثيل النساء. درس هو الأسوأ والأكثر تعبيراً عن التلاعب بآلية عمل واحدة من أهم المؤسسات السياسية للدولة في ظل النظام السياسي القائم في العراق، اليوم. فالصحيح أنْ يحضر النواب الرجال فيهم والنساء على حد سواء ليتجادلوا ويختلفوا ويتوافقوا لا أنْ يغادروا ويقضوا وقت العمل في كافتيريات المجلس وقاعات الإستراحة فيه.
فات السيدة النائبة أنّ هؤلاء الـ 82 عضوة لم يدخلن المجلس بجدهن وإجتهادهن بل دخلن فيه من خلال العمل في ظل كتل سياسية وأحزاب إشترطت عليهن أنْ يكنّ صوتاً معبراً عنها وحضوراً ممثلاً لها. وأنّهن لذلك محكومات بعدم التمرد على هذه الوصفة الموقع عليها تحريرياً من قبل من إختار منهن الإرتباط بهذا الطرف أو ذاك. وأنّ خروجهن لن يكون له تأثير قوي من حيث أنّهن لن يعاملن كنساء بحد ذواتهن وإنّما بإعتبارهن عضوات محسوبات على كتل وأحزاب معروفة بتوجهات محددة مسبقاً. النائبات الممثلات في المجلس لسن كائنات بيولوجية أنثوية بل مكونات اجتماعية وسياسية يؤدين أدواراً مرسومة لهن سلفاً. ولعل الأهم في عدم أهلية هذه الدعوة التي تقوم على أساس نمط تقليدي مستهلك في أداء العمل في المؤسسة التشريعية الأهم في البلاد إنّه لمما يبعث على خيبة الأمل أنْ تسعى هؤلاء العضوات – على إفتراض تمكنهن من ذلك – لدور في بنية سياسية منعوتة بالفساد ومبنية عليه. المجتمع يميز بين النساء ولا يعاملهن على حد سواء بحسب مكاناتهن وأدوارهن فيه وما توسم أي نائبة أو مرشحة لمنصب معين في ظل هذه البنية التي تجتهد للمحافظة على أركانها وتقاوم محاولات تغييرها وإصلاحها إلا رسالة تشجع على دعم واقع الحال الذي بلغ حداً من التدهور والإنحطاط الذي لم يعد ينطلي على أحد. وخذ دليلاً على هذا ما يحدث من إحتجاجات شعبية واسعة لعل أبرزها الإحتجاجات العنيفة التي تأخذ مكانها اليوم في محافظة البصرة قرة عين العراق.
لعل من الطبيعي أنْ يتساءل كثير من العراقيين اليوم عما حققته النساء ممن وقع عليهن الخيار لتولي مناصب مهمة. ألم يكن من الطبيعي أنْ يستبشر المواطن خيراً من خلال تولي المهندسة ذكرى علوش منصب أمين العاصمة! ولكن ما الذي حصل! إنشغلت السيدة الأمينة بتولي رئاسة لجان عليا مثل لجنة الدفاع عن حقوق المرأة التي تظهر في مؤتمرات واجتماعات مهيأ لها بعناية إلى جانب التوقيع على إنشاء مجمعات سكنية لفئات معينة ومختارة من السكان ممن استطاعوا الوصول إليها كالمشتغلين في شبكة الإعلام العراقي دون غيرهم من المشتغلين في مؤسسات إعلامية وغير إعلامية أخرى. ثم هل قلّت تلول النفايات والمهملات في مناطق العاصمة! أم زادت يا ترى بغداد رونقاً وعادت شوارعها كعبة لسكانها وزوارها والمتبضعين فيها!. الحقيقة، يتذكر الناس غزوات أمانة العاصمة على أصحاب "البسطيات"، من الباعة الفقراء المنتشرين على أرصفة الشوارع دون تهيئة البديل المناسب. وفات الأمانة أنْ تأخذ بالإعتبار عمومية هذه الظاهرة التي تنتشر في العراق من أقصاه إلى أقصاه لعقود من الزمن والتي يفسر مداومتها بل وتوسعها إرتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب وغيرهم في أكثر من قطاع عمل ومنها القطاع الحكومي. ثم ما الذي فعلته السيدة المهندسة آن الأوسي وزيرة الإعمار والإسكان والبلديات لمعالجة التجاوزات على أنابيب توزيع المياه في المحافظات ومنها البصرة التي تشتعل بحريق التصحر والعطش فيما تتلكأ البلديات التابعة لها عن وقف التجاوزات لإقامة المسابح والبحيرات السمكية وغيرها من المشاريع غير المرخص بها قانوناً والتي تساهم مساهمة مباشرة في حرمان البصريين من الماء العذب. وهذا عدد من النائبات الجدد ممن إنشغلن بأخذ الصور التذكارية لحضورهن جلسة إفتتاح الدورة التشريعية الحالية. وهذه نقيبة المحامين العراقيين السيدة المحامية أحلام اللامي تصدر بياناً موقعاً من قبلها كنقيبة للتعبير عن التضامن مع المحتجين لتخاطب سكان البصرة بـ "الشعب البصري". خطاب بائس لم يتقبله البصريون ولم يهتموا به.
يمكن للمنصب أنْ يكون وسيلة فعالة لتطبيق السياسات وتحقيق الأهداف المجتمعية فقط عندما يكون المنتدب إليه ملتزماً بالنزاهة ومتصفاً بها وليس متلهفاً لتحقيق مجد شخصي أو حزبي أو مناطقي. إنّ شاغل المنصب وبخاصة المنصب الثانوي لن يكون إلا وسيلة لتبرير سياسة صاحب المنصب الأعلى. لن يكون مشرفاً للمرأة أنْ تحظى بمنصب يزوق ويبرر ولا يتعدى أنْ يؤدي شاغله غير دور مراقب عمل وفي أحسن الأحوال التذمر علناً ليشكل عبئاً على شاغل المنصب الرئيس. أضف إلى ذلك وفي ضوء التركيبة الحالية لبنية السلطة الحالية في العراق فإنّ شاغل المنصب سيلعب دور "العميل" للكتلة التي يمثلها وعيناً لها.
بإمكان هؤلاء النساء المنتدبات لعضوية مجلس النواب العراقي الحالي أنْ يقمن بدور لخدمة مصالح الأشخاص الذين صوتوا لهن مستحضرات القسم الذي أدينه للتفاني من أجل العراق من خلال التعبير عن مواقف رافضة للفساد وربما الإئتلاف مع كتلة معارضة تسعى إلى شق الخطوط الدينية والمذهبية والعرقية القائمة فيه لتحقيق خطوة بإتجاه تعديل بنية المجلس لا المحافظة عليها. وبهذا فقط يمكن لهن أنْ يتطلعن لإستقطاب ثقة المجتمع وإحترامه. قد يستطعن بهذا التحرك أنْ يسجلن موقفاً يحسبه التاريخ لهن ليقفن على الضد من نساء لعبن دور اللسان الناطق والممثل المسلكي لجماعات أرادت منهن أنْ يكنّ وقوداً في مرحلة عابرة.
لن يتحقق المجد بمجرد الوصول إلى عضوية مجلس النواب وإستخدام ذات الآليات الفاشلة من قبيل الإنسحاب والتلاعب بالنصاب والتكتل والتسليم بقرارات المتنفذين في الكتل والأحزاب دون محاججتها في ضوء روح القسم الذي أدينه لخدمة العراق وشعبه. يتحقق المجد بالحضور والمشاركة الفاعلة والمسؤولة وعدم الإنشغال بالإيفادات الخارجية في الوقت الذي تتصاعد فيه الحاجة للمتابعة والمراقبة والإشراف المباشر من قبل المسؤول على كل المستويات. تميز المرأة نفسها من خلال طريقتها في التفكير ومدى إهتمامها بألا توصف بالكذب والنفاق والتآمر. وهذا ما يمكن للنساء الفائزات بعضوية المجلس أنْ يلعبن عليه لا أنْ يؤدين دور الغطاء والوجه الحسن لما لم يكن حسناً على الإطلاق. هذا هو التحدي الذي يواجه هؤلاء النائبات وليس الإنسحاب والتكتل بغرض الإستحواذ على المناصب والإمتيازات بإسم الدفاع عن المرأة العراقية. سيكون تشريفا لهن أنْ يرفعن الصوت للمطالبة بإحقاق الحق وتسييد العدالة وليس لرفع اليد للتصويت لصالح قرارات كتلية لا تغني ولا تسمن من جوع. في ظل النظام الديموقراطي السليم لا يذوب النائب في صحن الكتلة أو الحزب الذي يعمل فيه بل يبقى محافظاً على إستقلاليته وحضوره الشخصي وقناعاته السياسية والفكرية المتميزة. بالنهاية فالعراقيون يميزون بين شخصية من وزن السيدة الدكتورة ماجدة التميمي رئيسة كتلة سائرون في محافظة بغداد أثناء الإنتخابات التي حصلت على أكثر من 55 ألف صوت وغيرها من العضوات اللواتي صرن رمزاً للفشل والصوت العالي الأجوف. ويلاحظ أيضاً إنّ العراقيين لا يقفون من المرأة موقفاً سلبياً وفق أحكام مسبقة على الدوام بل ينظرون إليهن ويتابعون أداءهن ويميزون بين هذه وتلك. كان ذلك أحد أفضل دروس الإنتخابات التشريعية الماضية على ما إعتراها من إشكالات وخلافات وحام حولها من ملاحظات.