من تأثيرات كلكامش في الفكر الإنساني

رقم العدد: 4269 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/9/2018 12:28:22 PM


 

صلاح نيازي

وصف جوزيف كامبل Campbell في كتابه The Mythical Image منحوتة رأس فتاة الوركاء السومرية، في الألف الرابع قبل الميلاد قائلاً: "التصوير الفريد البالغ الدقّة للخدّيْن، والفم والذقن يؤذن، مثل تعبير استهلالي مثير لسمفونية عظيمة، بالدور الروحاني الجديد للسلطة الأنثوية، كما يؤذن بالغاية الروحانية الحديثة للإنسانية لكل عصور المستقبل، وهي التي تشكلت لدى تلك السلالة السومرية الغامضة التي يدين لها العالم كلّه، بكل فنونه الأساسية، وحياته الأدبية المتحضرة" (1V.325).

كذلك قيل إنّ تأثير كلكامش لا يقلّ عن تأثير" آختراع العجلة والمحراث والسقي والزراعة" . أمّا ثيودور زويلكوفسكي Zoilkowski فيدرس ما خلّفته ملحمة كلكامش في الآداب والفنون المعاصرة، وكيف كان تأثيرها في العالم النفساني السويسري يونغ Jung والشاعر النمساوي- الألماني ريلكه. يرى زويلكوفسكي أنّ :" الآنسحار بكلكامش ما هو إلاّ آنسحار بالقيم الروحية السرمدية مثل الحبّ، والصداقة، والشجاعة والخوف من الموت، والقبول به. لقد انتفع من ملحمة كلكامش كتّاب مشهورون، وموسيقيون، وفنانون من السويد إلى النرويج، ومن الولايات المتحدة، إلى استراليا، لمعالجة الأغراض الآجتماعية والفنيّة السائدة في العصر".
يعجز الباحث عن الحياطة ولو لَمَماً، بتأثيرات ملحمة كلكامش في الفكر الإنساني، اوّلاً لكثرتها، وفي شتى اللغات، وثانيا لتنوّعها وتشعبها وتداخلها. قد تقول عن شاعر بعينه أثّر في الشعر في فترة ما، أو روائي مبتكر ترك بصمة في الرواية، أو رسّام اجترح مدرسة في الحركة التشكيلية، إلاّ ملحمة كلكامش فإنها أثّرت ،مباشرة أو بواسطة، في أغلب الفنون الأدبية والموسيقية والتشكيلية والفلسفية والمسرحية. يبدو، مثلاً، أنه ما من تأليف إغريقي ، أو روماني، إلاّ وتأثّر بملحمة كلكامش.
من باب الصدف أنْ مرّ بي مؤخراً موضوع عنوانه :" سمات شخصية كلكامش وتمثلاتها في تراجيديا
اسخيلوس ولا سيما في مسرحية بروميثيوس" للدكتورة أمل الغزالي. تقول الكاتبة :"إنّ خلود الذكْر والبحث عن الخير للبشر، من أهمّ التأثيرات الفكرية لكلكامش في النص المسرحي الإغريقي... فضلاً عن أنّ البطولة وفردية الملامح، ومركزية الشخصية التراجيدية الإغريقية مستقاة من ملحمة كلكامش".
قد يكون من الأفضل لو توقفنا قليلاً عند بعض الثيمات في الملحمة، لنرى كيف دخلت وتطورت في الفنون الأخرى. لنأخذ على سبيل المثال الحوار التالي بين كلكامش وعشتار. إذْ بعد أنْ انتصر كلكامش
على حارس الغابة خمبابا (خمامة أو عواوه) وعاد إلى أوروك،" غسل شعره الطويل... وأرسل جدائله على كتفيه. ارتدى حلّة مزركشة وربطها بزنار. وما أنْ لبِس تاجه حتى رفعت عشتار عينيها، ورأت جمال كلكامش، وطلبت منه أن يكون زوجاً لها". امتعض كلكامش وأجابها بنفرة، مذكّراً إياها بمَنْ أحبتهم سابقاً، ولكن ما أنْ ملّتْ منهم حتى مسختهم حيوانات دنيا، من ذلك مَثَلاً، الراعي الصياد الذي مسخته ذئباً، فراحت كلابه تطارده وتنهشه إرباً".
وظّف هذه الأحدوثة كتاب كثيرون، ربما كان أوّلهم الكاتب أوفد "أوفيدس " في حديثه عن الصيّاد آكتيون Actaeon الذي رأى مرةً أثناء تجواله في الغابة، الإلهة آرتيموس تتحمّم ، فوقف، وراح يتأملها باندهاش، مفتوناً بجمالها. نظرتْ إليه آرتيموس بغضب، ورشّتْ عليه ماء، فمُسِخَ وعْلاً، وهكذا 
راحت كلابه تطارده.
انتقلت هذه الأسطورة إلى الفنون التشكيلية، فرسمها الفنان الإيطالي تيشِن Titian والرسا م الفرنسي فرانسوا Clouet .
(ثمة قصص كثيرة عن المسخ في التوراة وألف ليلة وليلة لمَنْ ينشد الاستزادة ).
من الثيمات الأخرى في ملحمة كلكامش، وشاعت في شتى الفنون، هي ثيمة العالم السفلي.
من المعلوم أنّ اللوح الثامن- العمود الثاني، أنّ آلتيْن موسيقيتيْن هما البكّو والمكّو قد سقطتا من يدي
كلكامش، في العالم السفلي، وحين لم يستطعْ آنتشالهما، استعان بصديقه أنكيدو، وأوصاه أنْ لا يتكلّم إلى الأموات. إلاّ أنّه لم يلتزم، فغضبت عليه آلهة العالم السفلي واحتجزته. فعل كلكامش ما بوسعه عن طريق التوسل للآلهة، لإخراج أنكيدو إلى عالم الأحياء، ولكنْ باءت جهوده بالفشل، إلاّ أنّ أنكي إله الحكمة، أحدث فتحة في العالم السفلي، فخرج منها شبح أنكيدو، وهكذا تعانق كلكامش مع شبح أنكيدو.
يتفق الباحثون على أنّ هذه الأحدوثة هي مصدر أسطورة أورفيوس، وهو موسيقي وشاعر ونبي في الأساطير الإغريقية. كان من أهمّ ميزاته أنْ كانت له القابلية على أن يسحر بموسيقاه كل المخلوقات، بشرا وحيواناً ونباتاً وحتى الحجر.
تدور قصة أورفيوس حول محاولته إنقاذ زوجته يوريدس من عالم الأموات السفلي، بعد أن لدغتها أفعى حينما كانت تجمع الأزهار من الحقل. هكذا قرر أورفيوس أن يلحق بها إلى العالم السفلي.
بالإضافة يُعتبرأورفيوس من أهم الشخصيات الأسطورية الكلاسيكية التي شاعت في الثقافة الغربية وصُوِّرتْ بعدد لا حصر له من الفنون، من بينها الشعر والأفلام والاوبرا والموسيقى والرسم. ومن الكتاب الذين تناولوا اورفيوس فنياً على سبيل المثال:" فيرجل ، ويبدو أنّه أوّل من كتب عنها، في كتابه حياة فلاح، واوفد (اوفيديوس) في كتابه التحولات، وبيتهوفن، وريلكه وهو أشهر من وظف الأسطورة في العصر الحديث.
ومن الطريف أن نذكر أن أورفيوس كان بالنسبة للإغريق، مؤسساً ونبيّاً لما يدعى بـ (السرّ الأورفي).
شاعت الأورفية في القرن السادس ق. م. وكانت تتميّز بالطابع الروحي والنزعة الصوفية، ومن أهدافها "معارضة النظام السياسي والديني اللذين كانا يسودان العالم الإغريقي. تأثر بالأورفية عدد من الفلاسفة من بينهم افلاطون. ثمّ انتقل تأثيرها إلى الفكر المسيحي في بواكيره الأولى.
كذا صعوبة تتبّع تأثير كلكامش، لأنها متواشجة ومتضامة مع شتى الفنون، وهي بمثابة الأمّ الأولى التي انبثقت منها فروع جديدة، سرعان ما أصبحت هي بدورها أصولاً.
مع ذلك فخير لنا ان نتمعن في ثيمة أخرى وردت في الملحمة، وهي ثيمة الشبه بين الميت والنائم وكيف انحدرت إلى شيكسبير بأعمق ما تكون عليه فلسفة الوجود. يبدو أن هذا الشبه بسيط لأوّل وهلة ولكن سرعان ما طفق يعمق ويعمق فإذا نحن أمام حيرة خطيرة.
يسرد كلكامش في الفصل الرابع بعد أن عبر مياه الموت، على أتونفشتم (نوح) مآسيه التي أمضّته، بعد 
أنْ فقد صديقه أنكيدو. أجابه أوتو نفشتم بعبارات موجزة، لها مفعول صرامة البدبهيات، وبرودتها. آستهلها بـ:
"الموت قاسٍ لا يرحم
هل بنينا بيتاً يقوم إلى الأبد؟
وهل ختمنا عقداً يدوم إلى الأبد؟
وهل يقتسم الأخوة ميراثهم ليبقى إلى آخر الأبد؟
وهل تبقى البغضاء في الأرض إلى الأبد؟
هذه البديهيات، باردة من وجه، وجارحة من وجه. واستفهاماتها الآستنكارية من فصيحات التأليف يقصر الإتيان بمثلها. لها ما لقناني الأدوية من إيجاز في التسمية، ونجاعة واسعة في العلاج.
لكنْ ما يهمنا لغرض هذه المقالة هو المقطع التالي:
"ويا ما أعظم الشبه بين النائم والميت
ألا تبدو عليهما هيئة الموت
ومَنْ ذا يستطيع أن يميز
بين العبد وسيده"
الشبه المشار إليه في السطر الأوّل بين النوم والموت، مدوّخ، لأنه يفاجئك وأنت غافل أو سادر. هل النائم نائم فعلاً، أم أنّه ميت فعلاً؟ هذه اللحظات بين التظني والتيقن من أحرج اللحظات وأخطرها.
كان الشاعر أوفد "يسمي الموت نوما كاذباً". كذلك كانت القبائل الجرمانية الأولى تعتقد أن النوم والموت صنوان. (الكساندر بوربلي : أسرار الموت، ترجمةأحمد عبد العزيز سلام)
يتعقب Harold Jenkins محرر طبعة آردن الشهيرة تشبيه النوم بالموت، فيردّها في البداية إلى شيشرون، وقبل ذلك إلى سقراط. ويعتقد أن ترجمة هولاند لكتاب Moralia لبلوتارك قد تكون المصدر الأصلي...إلخ
يبدو أنه كلما تمعنّا كيف يتوازى عنصرا النوم والموت في ملحمة كلكامش، وكيف يتجاوران كصنوين
أدركنا أن المنبع الأصلي لفكرة شيكسبير منحدرة بصورة غير مباشرة من ملحمة كلكامش لأنها أقدم من النصوص التي آستند إليها محرر آردن. أقرب الأمثلة على ذلك موت أنكيدو بين يدي كلكامش، وكأنه نائم، وكذلك ما قاله اتونفشتم لكلكامش:
"ويا ما أعظم الشبه بين النائم والميت
ألا تبدو عليهما هيئة الموت"
مما يجدر ذكره أن شيكسبير ذكر الموت والنوم في عدد من المناسبات، منها مثلاً في مسرحية مكبث، حيث صاح مكدف حينما رأى الملك مقتولاً:
"...أفيقوا
انفضوا عن أعينكم هذا النوم الماكر شبيه الموت
وحدّجوا في الموت نفسه"
(من مناجيات شيكسبير- صفحة39- تأليف صلاح نيازي. )
وفي المناجاة الرابعة الشهيرة، يقول هاملت:
"أن نموت أن ننام
أن ننام، ربما أن نحلم- بلى هذه هي القضيّة
لأنه في نوم الموت ذاك، أيُّ احلام قد تأتي..."
بالمناسبة استشهد أبو حيّان التوحيدي في كتابه المقابسات ، بما سمعه من أبي سليمان في "النوم والمعاد"
حرفياً فقال: "والنوم شبيه بالموت".(ص 225)

من ناحية أخرى تذكر الملحمة في السطرين الأخيرين من المقطع أعلاه:
" ومَنْ الذي يستطيع أن يميّز
بين العبد والسيد إذا جاء أجلهما"
نجد شيئاً شبيها لهذا التصور في الجامعة (2:16) "وكيف يموت الحكيم كالجاهل".
ويقول المتنبي:
"يموت راعي الضأن في جهله
ميتة جالينوس في طبّهِ".
طوّر شيكسبير هذه الثيمة ، فجاء بالعجب المعجب، في مشهد حفار القبور- مسرحية هاملت.
قبل كل شئ تتميز مسرحية هاملت بالجنون الذي فيه عقل. وهذا ما لحظه بولونيوس والد أوفيليا على هاملت حينما كان يتظاهر بالجنون. عاد شيكسبير ثانية إلى الجنون الذي فيه عقل في مشهد حفار
القبور. قال هاملت لصديقه هوراشيو بعد أن سمع حذلقات حفار القبور :
"يا لَدقة هذا الشخص، يجب أن نتكلّم بلغة مضبوطةّ
وإلا دمّرنا التباس كلماته المبطنة"
ثمّ يلتفت هاملت إلى هوراشيو مباشرة ويقسم:
"إنني لاحظت خلال السنوات الثلاث الماضية
أنّ العصر ساوى بين الناس
بحيث أن اصبع قدم الفلاح يأتي قريباً جدّاً من كعب
قدم أحد حاشية الملك، ويؤلم التقرّح فيها".
عمّق شيكسبير صورته الشعرية ، هنا بالتقرح في القدم. أكثر من ذلك انها تؤلم.. وكأنّ الميت ما يزال حياً، وكأن القدم حية وكأن التقرّح لم يندمل بعد، لذا فإن آقتراب اصبع الفلاح منه يشكّل إيذاء على وشك الوقوع، ومن هنا خطورته.
لنأخذْ، لا على سبيل المفاضلة، القلق والترقب والخوف في أبيات شيكسبيرأعلاه ونقارنها بما قاله المتنبي:
"ما لجرح بميّت إيلام"
في هذا الشطر لا ريب، صرامة الختم الشمعي الأحمر، ونهاية إسدال ستارة. يقدم المتنبي هنا قالباً ذهنياً مجرّداً من الزمان والمكان والنمو والمفاجأة، لأنه خالٍ من أيّ فعل بأية صيغة كان. بعكس صورة حفار القبور. إنها لا تتوقف عن التفاعل والتجدد والحركة لأنّ شيكسبير استعمل فعليْن هما "يأتي قريباً"، و"يؤلم التقرح "بصيغة الحاضر وكأن الخطر محدق ووشيك الوقوع حتى لو كان في داخل قبر، ولا يراه أحد.