البصرة وولادة الجيل الجديد

رقم العدد: 4269 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/9/2018 12:33:11 PM

علي المدن

1 / كل مرة يعاد فيها الحديث عن المندسين يبرهن المروّجون لهذه الفكرة على عدم استيعابهم حقيقة أن هناك جيلاً جديداً في العراق في طريقه إلى الانبثاق والتبلور والصعود. هذا الجيل الجديد لم يعد يحلم بإقامة دولة دينية وهو منفصل تماماً عن أحلامها الثورية. هو جيل منقطع عن الإيديولوجيا السياسية الدينية التي عاشها آباؤه بالرغم من عدم عدائه للروحانية كخيار شخصي للفرد
2 / يحاول البعض، ولدواعٍ مختلفة، دمج ما جرى في البصرة في الأيام الأخيرة بعمليات الفرهود المشؤوم الذي حصل في تاريخ العراق القديم والحديث، وربما يصف عمليات البصرة بأنها تخريب كالتخريب الذي نعرفه في عمليات الفرهود. رأيي هو أن من غير الصحيح أبداً وضع عمليات الحرق التي قام بها متظاهرو البصرة في سياق "الفرهود". ما حصل في البصرة غضب تدميري؛ نعم! ولكنه في العمق تدمير للأغلال. هذه ثورة هوية، ومطالب كرامة، وغارة فروسية، ورفض للظلم، وانبثاق لوعي جديد. بدايته في البصرة ونفعه سيعم العراق كله لاحقاً.
أيضاً "خراب" و"تخريب" اصطلاح بعثي نُعت به البصريون عام 1991 !! حين سمانا النظام البعثي بالمخربين. وهو لم يكن يقصد فقط الأطراف التي لحقت بالمنتفضين من خارج العراق، بل يعني حتى المواطنين في الداخل. وهذا يثبت أن الأنظمة السياسية هي هي لم تتغير في تعاطيها مع مخالفيها والمعارضين لها.
أخيراً؛ المثل الدارج (بعد خراب البصرة) يأتي لوصف تدارك الأشياء بعد فوات الأوان، وهو لا ينطبق على الحال الجارية في البصرة، أعني لا ينطق على ما قام به المتظاهرون من حرق لمقرات السلطة والأحزاب التي ذاقوا في ظلها طعم الذل والهوان والشظف والحرمان.
وفِي النهاية؛ لا يمكن إعادة وضع تعاريف جديدة لمفردات قديمة وإقحامها في سياق اشكالية كوضع (عمليات الحرق في البصرة) على يد المتظاهرين في سياق عمليات الفرهود التي هي أسوأ انحدار سياسي وأخلاقي في مجتمعنا الحديث.

3/ البصرة سنام العمل السياسي الإسلامي في العراق، بل هي سنام أي عمل سياسي وفكري وثقافي لكل الاتجاهات التي عرفها العراق. ما يقوم به الجيل الجديد من البصريين هو مراجعة ومحاسبة الأيديولوجيات التي آمنت بها أجيال الثوريين من قبله. ولادة هذا الجيل الجديد في العراق يعبر الشباب البصري اليوم عنه خير تعبير. إنه جيل سئم من ممارسة السياسة استناداً الى تجارب نضالية لم يعشها ولا يعرف مشاكلها، فلم تعد تعنيه مفاهيم المظلومية التاريخية، ولا مواجهة الاستعمار الغربي، ولا حكم الطوائف، ولا الحلم بالدولة اليوتوبيا الإسلامية. هو جيل جديد بعقيدة جديدة وأحلام جديدة تقوم على أساس الدولة الوطنية المؤسسة على الحريات والحقوق والإدارة اللا مركزية والاقتصاد والرفاه والتعليم والصحة وأمثال هذه الأمور. عقيدة وأحلام مرتبطة بالعالم ومنفتحة عليه.
وفِي البصرة هناك انبثاق لهوية جديدة هي هوية المدينة البصرية التي نفتها الدولة العراقية واستبعدتها أمام هويات أخرى وتواريخ أخرى كالرؤية السياسية البغدادية أو الرؤية الدينية النجفية. البصرة تبحث عن نفسها وتنتفض على التهميش والإقصاء والإذلال حين تعامل به كقضاء صغير في تخوم العراق.

4 / حرق القنصلية الإيرانية ليس بالخبر السار بكل تأكيد، وقد سبق مني الدعوة إلى احترام ضيوف البصرة والعاملين على أرضها، ومع ذلك فإن هذه الأمور تحدث في كل الدول، وخصوصاً في لحظات السخط الجماهيري العارم (في ايران حدث ما يشبه ذلك مع السفارة الأميركية والبريطانية والسعودية)، إلا أن العلاقات الدولية الصديقة لا تتأثر بذلك، بل هي تعيد تقييم المواقف ودراسة الحالة التي دفعت الأمور بهذا الاتجاه. ومع الأنباء التي تصلنا عن تعرض بعض الزوّار العراقيين للضرب والاعتداء في مدينة مشهد، بل وخروج متظاهرين يطالبون بطرد السواح والزائرين العراقيين، أجد أن هذه الأوضاع تمثل فرصة للطرفين، العراقي والإيراني، لمراجعة بعض الملفات ودراسة المناخات التي تساعد في ظهور هذه الردود الغاضبة.

5/ ولمزيد من التوضيح في هذه النقطة الأخيرة أنبّه على أهمية أن لا تفهم دعوتي لدراسة المناخات الموّلدة لهذه الأفعال على أنه تسويغ لإباحة الاعتداء على البعثات الدبلوماسية في مدينتنا، إنما أحاول فقط أن أقدّم وجهة نظر تحليلية لما يجري. وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطتين:
النقطة الأولى: أعيد فيهما ما سبق وقلته حول الجيل الجديد، فهو، وعلى خلاف قادة وكوادر الأحزاب السياسية، لا يُؤْمِن بالإيديولوجيا السياسية الاسلامية، ولم يعش مرحلة صدام حسين، ولا يعرف عن إيران الثورية ما تعرفه تلك الاحزاب عنها، ولم يتعاطَ معها كحلم ضحى من أجله جميع الثوار الاسلاميين، إنما يعرف إيران السياسية، أي كدولة مجاورة يخضع التعامل معها لمبادئ القانون الأممية والاتفاقيات الدولية والمصالح المشتركة وحسن الجوار وحفظ السيادة والتعاون الثنائي لما فيه خير البلدين.
النقطة الثانية: أن ارتباط الاثنين، إيران والأحزاب العراقية، معاً، وتعاونهما الوثيق خلق لدى الشعب قناعة بمسؤولية إيران عما يجري في العراق من فشل ساحق ومدوٍ في إدارة الدولة. تخيّلوا مثلاً لو كانت علاقة هذه الأحزاب بالمرجعية كما هي علاقتها بإيران، ماذا سيكون تقييم العراقيين للمرجعية؟ بالتأكيد سيحملونها مسؤولية الخراب والفساد والفشل والسرقة وكل المصائب الأخرى. ومع أن شرائح من المجتمع العراقي وكتّابه ومثقفيه يفعلون ذلك فعلاً، إلا أن المرجعية تحاول تدارك الأمور عبر وضع مسافة بينها وبين تلك الأحزاب، وصل الحال بها أحيان أن تغلق أبوابها أمامهم، وتطردهم، وتندد بأفعالهم، وهذا على عكس العلاقة القائمة بين الجمهورية الإسلامية وتلك الأحزاب.
من النقطتين السابقتين يمكن أن نستنتج أن وضع الجماهير العراقية الاثنين (الأحزاب وإيران) في صندوق واحد هو الذي دفعهم إلى معاملتهما بنفس الحكم وإشراكهما بنفس المصير. هل هذا الارتباط صحيح؟ هذا شأن آخر. ما يهمنا هو تحليل المناخات الفكرية والسياسية لما يقع من أحداث، تاركين للأطراف المعنية وضع السياسات المناسبة لمعالجة هذه الأوضاع.