تظاهرات البصرة.. الأسباب والمسبّبات الحقيقية

رقم العدد: 4269 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/9/2018 12:35:13 PM

سليم سوزة

واحدة من أهم مؤسسات صناعة الرأي هي الميديا. أراقبها جيداً منذ لحظة اندلاع حراك البصرة قبل شهرين. قنوات تتحدث عن أيادٍ إيرانية وراء حالة الفوضى والحرق في البصرة، وأخرى تراها أميركية بحتة.
مازلت اعتقد أن المواطن العراقي حاضر واقعاً في الأرض ومغيّب تمثيلاً في الإعلام. مَن يخرج على الفضائيات اليوم (أغلبيتهم وليس كلهم طبعاً) يتحدث عن هذا المواطن كموضوع لا ذات. موضوع يمكن دراسته والتلاعب به حد التشويش على خياراته وتوجهاته.
بالنسبة لي (وقد أكون مخطئاً) لا أرى أية علاقة بين حراك البصرة وبين إيران أو أميركا، على الأقل حتى هذه اللحظة. هذا تجاوز وتسفيه لكبرياء المواطن البصري المنتفض. ينظرون إليه ما لو كان ألعوبة يحركها آخرون أجانب كيفما يشاؤون. الحق أنهم خرجوا لمطالب خدمية واضحة ومحددة. ليست هناك محركات ايديولوجية معينة ضد هذا المحور أو ذاك. نعم ربما هناك رسائل سياسية محددة لجوهر النظام السياسي ككل، لكن هذه الرسائل تأتي في سياقها الثاني، السياق الذي يأتي وراء كل فعل تظاهر على الأرض، وهل فعل التظاهر إلّا سياسة؟
أنا أرى هذا الحراك في الأساس يأساً وإحباطاً انفجر بوجه كل شيء في البصرة. الحكومة لا تفهم هذا. بل كل الحكومات لا تفهم هكذا حراكات. لا تراها سوى مؤامرة يقودها هذا الطرف لإسقاط ذاك. هذا السيناريو الوحيد الذي تتخيله الحكومة وهو سيناريو سهل أدمن على اجتراره كسالى المسؤولين في أي حكومة عرجاء فاشلة في العالم.
الحكومة لا تفهم سبب غضب البصريين.
طبعاً لا تفهم لأنها لا تعيش في العراق. تعيش جسداً فيه إلّا أن روحها في الغرب الجميل. لدى المسؤولين بيوت وفلل في الخارج وأرصدة في بنوك الغرب، أبناؤهم يدرسون في أرقى الجامعات العالمية، يركبون أرقى السيارات، يعاشرون أجمل النساء، ثم يطلبون من أبناء الشبيبة العراقية المسكينة الانضمام الى فصائل الدفاع عن العرض! أسألوا أهل الخارج ستعرفون. في أفواهنا ماء، لا نستطيع الحديث أكثر لئلا يُفسّر تحريضاً على العنف.
مهما حاول الأميركيون أو الإيرانيون تحريض البصريين (كما يعتقد البعض) لن يستطيعوا فعل ما فعله البصريون في الأيام القليلة الأخيرة. من حرضهم هو فشل الحكومة في إدارتها للبلد. فشل صنّاع الخراب وأساتذة الطوائف وزعماء المحاور. إنه فشل مركب، فشل السياسي العراقي كشخص غير مؤهل للقيادة، وفشل نظام سياسي يقتات على الأزمات وصراع الطوائف. فشل لكل الطبقة السياسية بشيعتها وسنتها وكردها، إنهم لم يبنوا نظاماً يدير دولة، بل خيمة متهرئة تظل منطقة خضراء صغيرة في بقعة دم واسعة كالعراق.
حتى هذه الأسطر التي كتبتها هي إنشاء ممل مللنا من ترديده. كتب الكثير من الإعلاميين والباحثين والمراقبين ورجالات القلم المحترمين منذ عام ٢٠٠٣ وحتى الآن مقالات جادة غير إنشائية تتحدث عن لحظة يأس قادمة ستدمّر كل شيء إن لم يتدارك السياسيون نظامهم المحاصصاتي الأخرق، لكن لا أحد من هؤلاء السياسيين يسمع، ويبدو حتى هذه اللحظة ليست لديهم الرغبة في الاستماع. استمعوا مرة واحدة فقط. هذا الجيل الشبابي لم تعد تهمه محاوركم وصراعاتكم ومشاكلكم وخطاباتكم. يهمه أن يرى بلده جميلاً مرفهاً ومتطوراً كالذي يراه في بلدان الغرب ومدنها. لا يهمه سليماني ولا ماكغورك. لا تهمه سوريا أو اليمن أو لبنان، كما لا يهتم لشؤون السعودية أو قطر أو تركيا. يريد أن يشرب ماءً صالحاً بلا طحالب. أفهموها جيداً وابتعدوا عن توظيف هذا الحراك لهذا الطرف أو ذاك.
اتركوا أيها السياسيون العناصر الخارجية التي هي من اختراع مخيلاتكم واتركوا أقوال العاطلين عن التفكير، فالناس لم تعد تنطلي عليها قصص ما قبل عهد التواصل الاجتماعي. فكروا في المشكلة الأساسية التي صنعتموها بأيديكم. مشكلة نظام سياسي مبني على الحصص والحصص المقابلة. هذا أس المشكلة لأنها تصنع حكومة جامدة ورهينة للخلافات على أسخفها.