متابعة تحليلية لمؤشر مدركات الفساد العالمي للعام 2017/2018 "حالة العراق"

رقم العدد: 4270 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/11/2018 11:34:09 AM

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

تصدر مؤسسة الشفافية العالمية ومقرها في برلين مؤشر مدركات الفساد العالمي حيث غطت في عام 2017 ما مجموعه 180 دولة وإقليماً . بداية المؤشر أساسا مرتبط بقياس مدركات الفساد وليس بقياس الفساد الفعلي لإن عملية قياسه صعبة نظراً لتعدد وتنوع عناصره وابعاده الرئيسة الاستراتيجية التي تشمل جوانب متعددة قسم منها قابل للقياس الكمي من خلال أجهزة وأدوات رقمية وأخرى من الصعب قياسها كونه غير مادية "معنوية" أو ربما من الصعب الاطلاع عليها أو قياسها كمياً كون المعلومات المتوفرة عنها غير دقيقة او صادقة أو لاسباب أخرى على رأسها أن جهات الفساد لم تعد أشخاصاً محددين فقط يمكن أن يشخصوا بيسر نسبي وبالتالي يمكن من خلال القضاء ومؤسساته أن يقتص منهم ولكنها باتت جهات أو جماعات أو حتى شبكات مترابطة معقدة تعمل بعيداً عن كل شفافية ومحاسبة ولها امتدادات أبعد من الحدود السيادية الوطنية . يضاف إلى ذلك إن المعنيين بالقياس في مؤشر 2017 هم من بين خبراء الدولة ومستشاريها ورجال الأعمال فقط دون شرائح أخرى من المجتمع مثل منظمات المجتمع المدني وغيرها . أكثر من ذلك، مقياس مدركات الفساد العالمي لوحده يعد قاصراً عن تقديم صورة ستراتيجية - شاملة ومعمقة لجوانب الفساد المتنوعة والمتداخلة والتي تتأثر بتوازنات القوى على الصعد المحلية- الوطنية – الاقليمية والدولية . إن التركيز على دور الحكومات في إنعاش او بلورة مناخ الفساد مسألة تعاني منها الكثير من دول العالم بضمن ذلك ما يعرف بالعالم المتقدم ولكنها تنتشر وتعرف تداعياتها اكثر بين دول العالم المتخلف أو المتراجع نسبياً في درجات تقدمه قياساً على دول لديها تاريخ طويل وخبرة في بناء وتنمية مؤسسات حقيقية لديها إرادة سياسية فاعلة للتغيير الحقيقي الايجابي لإنجاز متطلبات التغيير والإصلاح المؤسسي الشامل والمستدام. دول يتمتع أفرادها ومؤسسات مجتمعاتها المدنية وغير الحكومية بنضج ووعي عال ناجم عن خوض مراحل متعددة من التحديات انتهت إلى كون الدور المؤسسي والإعلان بشفافيةعن المفسدين ومحاسبتهم من خلال جلبهم للقضاء العادل مسألة حياتية روتينية تمارس دون تدخل من أية جهة باستثناء القضاء بمؤسساته العدلية على اختلاف انواعها ودرجاتها. أما وبعد أن تمّ نجاح العراق في القضاء على داعش عسكرياً وامنياً بصورة تستدعي الاعجاب كونها شدت انتباه العراقيين وطنيا للمخاطر والتهديدات الأمنية ما يعني ضرورة استكمال سيادته الاقليمية على كافة اراضيه بل على كل شبرغتصب غدرا ، ازدادت بنفس الوقت اهمية تركيز الانتباه على منع مخاطر استغلال داعش او غيره من منظمات إرهابية لمناخ الاستقرار والأمن السائد ما يستدعي بناء عراق قوي أمن ومزدهر يتمتع بارادة التغيير المؤسسي العادل والشامل وفقاً لمنطق القانون والعدل الاجتماعي والاقتصادي وغيره . من هنا ، تعد مسألة مواجهة الفساد في مختلف صنوفه وأبعاده ومستوياته وأشكاله ليست ترفاً فكرياً او ايدولوجياً وإنما هي وكما وصفها رئيس الوزراء العراقي بحق "حرب ضد الفساد" تماما مثل "الحرب ضد الارهاب" ولكنها فعلياً تشكل تحدياً آخر يحتاج لجهود مكثفة وطنية على اوسع نطاق فكري –ثقافي ، ديموغرافي اقتصادي ، إداري وجيوسياسي وزمني ممكن. إن أهمية التقرير السنوي للشفافية العالمية حول الفساد تنبع من ضرورة تسليط الضوء إعلاميا وسياسيا على مخاطر وتأثيرات الفساد التي تستدعي من دول العالم ومن ضمنها العراق والرسالة هي : أن يعبئ طاقاته الوطنية على المستويات المختلفة حكومياً ومدنياً لمواجهة هذه الحرب المعقدة طويلة المدى التي تحتاج لتخطيط وتنفيذ ستراتيجي . صحيح أن مؤشر مدركات الفساد للعام 2017 أكد بان الدول التي شملت بمسح المؤشر وفرت إما مساحة تحول بسيطة ايجابيا في الحملة المضادة للفساد ولكن بعضها الآخر لم تحدث فيها أي تطورات ايجابية بعد. العراق حدث له "تحسن طفيف" في مواجهة الفساد قياساً عن العام الذي سبقه (كما أشار مركز البيان للدراسات والتخطيط ) ، حدد مؤشر 2017 مركز العراق بين المجموع الكلي للدول 169/180 ما يساوي 100/18 درجة ويعد أدنى بكثير من المعدل العام البالغ 43 درجة ما يستدعي جهودا نوعية مركزة سريعة وشاملة للقضاء على ظاهرة "الفساد المركبة". ولعل العراق ليس وحده الذي تقع معدلات الفساد فيه أقل من المعدل العام العالمي ولكن نتائجه الراهنة متدنية جداً تحتاج لإعادة نظر جذرية جدية في أختيار أحدث وأنجع الاساليب لمكافحة الفساد . من المناسب الإشارة ، إلى أن دول الشرق الاوسط تباينت نتائجها بين تلك التي وصلت إلى أدنى مستويات ودرجات الفساد مثلا (سوريا ، جنوب السودان والصومال ) محققة نتائج 14 ، 12، 29 على التتابع من الدرجة النهائية (100) بينما دولة الامارات العربية المتحدة حققت الانجاز رقم واحد عربياً في مكافحة الفساد بدرجة وصلت إلى 71/100 ومن مجمل الترتيب العالمي احتلت المركز 21. إن نجاح الدول العربية في تحسين جهودها في محاربة الفساد تنطلق من حيوية الاستفادة من تجارب الدول التي حققت مراكزعليا عالمياً مثل نيوزلندة (89) والدانمارك (88) من مجموع الدرجة النهائية (100). دول أخرى سارت على منوال نيوزلندة والدانمارك محققة نتائج مميزة عالية وهي بالتتابع فنلندة، النروج ، سويسرا ، سنغافورة ، السويد، كندا، لوكسمبورغ ، هولندة. أما كيف جرى تقييم درجات الفساد في العراق وفقا لمؤشر مدركات الفساد العالمي؟ الجواب كشف الاعتماد على 13 استقصاءً عن القطاع العام مصادرها منظمات مستقلة عن منظمة الشفافية العالمية من ضمنها البنك الدولي ودار الحرية ثلاثة منها استندت إلى آراء استقصائية من رجال الاعمال المحليين بينما المصادر العشرة الأخرى جاءت من تقيم خبراء مقيمين أو غير مقيمين في الدول المعنية بالمسح الاستقصائي . علما بإن العراق خضع لخمسة دراسات استقصائية فقط لأن الدراسات الأخرى كما يشير مركز البيان لدراسات والتخطيط " لاتنطبق على العراق مثل تقييم مصرف التنمية الافريقي ، وإما لاتشمله لعدم إدراج العراق فيه، مثل استطلاع الرأي التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي (سويسرا)". من القضايا التي أشار إليها التقرير وتعكس أهمية خاصة للعراق ولغيره من دول أخرى تلك التي تؤكد ضرورة توفر مناخ ملائم داعم لحرية وحماية الصحفيين الذين يضحون بحياتهم في سبيل التوصل لوقائع الفساد بالتواز مع انعاش دور المنظمات غير الحكومية التي تتولى مهمة كشف الحقائق عن فساد الدول كي يتغيير الواقع السيئ إلى واقع أكثر إشراقا . ضمن هذا التصور على دول العالم من ضمنها العراق أن تشرع قوانين شاملة مواكبة لتطورات العصر هدفها حماية الصحفيين من القتل أو الاعتقال غير المبرر سريعاً. صحيح إن العراق شرع قانونا لحماية حقوق الصحفيين في عام 2011 ولكن نصوصه ومن ضمنها المادة 11 ( تغطي التعويضات المالية عن مخاطر المهنة ) بحاجة للمراجعة وإعادة النظر "إضافة وتعديلاً" كي تشمل ابعاداً أخرى مهمة تستقي تجارب دول متقدمة أخرى . من المناسب الإشارة إلى أن جانباً اساسياً من التقرير معني بحالة الشفافية التي يجب أن تعتمدها الدول بانتظام للكشف عن البيانات المختلفة من أجل توفير مصداقية للمواقف الحكومية التي تعزز وترفع من سمعتها ونزاهتها. اعتماد العراق لحالة الشفافية في الكشف عن المعلومات مسألة شملت تشريع قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية في عام 2015 الذي غطى مسألة منع أي تمويل خارجي بصورة تبرعات من مؤسسات أو شركات أو أشخاص أو المنظمات الخارجية ، أو مزاولة أي أعمال تجارية بقصد جني الربح المادي. المشكلة إنه ومع تعدد التنظيمات السياسية والعسكرية وتنامي علاقاتها الخارجية اضحى لازماً إعادة النظر بالقانون كي يوفر ضمانات أكبر لحماية المجتمع المدني والدولة من مخاطر وتداعيات الفساد التي يمكن تستشري بصورة واسعة جداً إذا لم يتم وضع ضوابط تنظيمية "قانونية ومالية" خاصة في مواسم الانتخابات على المستويين المحلي (المحافظات) والوطني . لاشك إن لتظاهرات الشعب العراقي المستمرة التي تلتزم باحكام الدستور كان لها وسيكون الأثر العميق في إحداث تحولات ايجابية مستقبلية للعراق ولشعبه العريق. الكلمة الاخيرة التي أود الإشارة اليها إنه وبرغم تحديات متعددة على رأسها استشراء الفساد ليس هناك شيء مستحيل لمواجهة "الحرب ضد الفساد" متى ما توفرت الارادة السياسية معززة بالقوة الذكية (الصلبة والناعمة) تماماً كما واجه ويواجه العراق "الحرب ضد الارهاب" بأقتدار. إن الحرب ضد الفساد تحتاج التضامن والجهد المكثف وطنياً –إقليمياً ودولياً.