السينما التجريبية.. إشكالية المصطلح

رقم العدد: 4271 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/12/2018 12:48:36 PM

ترجمة : صلاح سرميني

تُعتبر السينما التجريبية فناً شخصياً مثل الرسم، أو الشعر، وبإسهابٍ أكثر: هي عموم الأفلام التي ترتبط طريقة إنجازها، أو أشكالها الجمالية، بهذا المعنى.
هنا، كلمة "تجريبيّ" تسميةً اختيارية: حيث كانت، ولفترةٍ طويلة، تتنافس مع مصطلحاتٍ أخرى مثل:
سينما صافية/نقية، سينما مطلقة، سينما تكاملية، سينما جوهرية، سينما شعرية، سينما فنّ، سينما الحجرة، سينما طليعية، سينما مختلفة، سينما مستقلة، سينما أندر غراوند، سينما شخصية.
اُستخدمت في الأدب من قبل "إميل زولا"، وسابقاً، في السينما من طرف "كوليشوف"، أو "فيرتوف"، لا يمتلك المصطلح ميزة "تواضعه"، أو بالأحرى "تفاهته"، ولا يريد القول "يتحسّس دربه"، أو "غير مكتمل"، أو "علميّ"، أو "في المقدمة"، إنه يشير فقط إلى نموذجٍ من فنّ محدد ـ هو بالأحرى حِرَفيّ (صنايعيّ) أكثر منه صناعيّ، غير سرديّ أكثر منه حكائيّ.
يمتلك تاريخاً، وبدايةً، والأهمّ، بطاقة هوية.
مع سلسلتيّن من إشاراتٍ خاصة، بشكلٍ عام لا يمكن فصلهما.

معايير اقتصادية
بدايةً، تنطلق السينما التجريبية من مجموعة رغباتٍ أكثر من فكرة الاقتصاد الربحيّ، وأن يكون ذلك برغبة من يمارسها (الرسم على الشريط الخام الذي ينجزه الفنان في بيته)، أو غصباً عنه، يتمّ إنجاز هذه السينما بطريقةٍ حِرَفية (صنايعيّة)، وهذا لا يعني بأنها هاوية، وغالباً، بإمكانياتٍ قليلة، وهذا لا يُقللّ من شأنها.
وإذا كانت هذه المغامرة السينمائية مكلفة، فهذا يعني بأنّ مؤلفها ثريّ (يان هوغو، جيروم هيل)، أو مدعومة من طرف أحد الأثرياء (الفيكونت دو نوايّ الذي موّل فيلم Sang d'un poète/دم الشاعر)، أو مؤسّسة (في الولايات المتحدة)، أو الدولة (في كندا، بريطانيا، وحتى هنغاريا).
بشكلٍ عام، يُنجز السينمائيون أفلامهم بدون شروط، واكتساب هذه الحرية يعني:
حرية الاكتشاف، والتطرّق لكلّ الموضوعات، وأيضاً الحرية بأن لا تحظى، ولفترةٍ طويلة، على أيّ جمهور، أو تُفرض عليها رقابة حالما يفكر السينمائي الخروج من دائرة الأصدقاء، والهواة النخبويين (Un chant d'amour/أغنية حبّ لـ"جان جينيه").
وهذا يعني، بأنّ السينما التجريبية ـ كما الرسم التجريدي، والموسيقى الإلكترونية، والشعر ـ تمتلك أيضاً جمهوراً (طلبة، فنانين، إلخ...) بدأت تتعلم تدريجياً كيف تجذبه، وتؤثر فيه، وذلك من خلال تنظيم تعاونياتٍ للتوزيع (تأسّست الأولى في باريس عام 1929، واختفت لاحقاً، وفي عام 1962 نشأت واحدة أخرى في نيويورك، وتُعتبر الأكثر تنظيماً)، وظهورها في الجامعات، والمعارض، ومتاحف الفنّ الحديث، أو بعض المهرجانات (كنوك، أو بروكسل في عام 1949، 1958، 1963، 1967، 1974-1975، تولون ـ إيير، روتردام، جنوى، إلخ..)، وأخيراً، عن طريق إصدار مجلاتٍ متخصصة (Cinéma في باريس عام 1921، Film Culture في نيويورك عام 1955).

معايير جمالية
من شأن هذه السينما أن تُفاجئ، تلتزم سماتها الأخرى تحديداً بهذا الهدف، الخاصّ بالفنون، وتتشبث خاصةً بأنّ الشكل يفضل باستمرار التقدم على المعنى.
بدون شكّ، يرتبط الشكل مع المعنى، ويبقى المعنى دائماً، ولكن هذا المعنى الذي يصبح في بعض المرّات عبئاً ثقيلاً، يُفضل بأن يسكن في أشكالٍ متأزمة، تتجاهلها الصناعة (اليوميات الفيلمية على سبيل المثال)، أو تلتمس جذب الانتباه إليها، حيث لم تعدّ السينما التجريبية تقبل أن تكون الدعامة الواضحة لشيءٍ آخر، ولكن، كحدٍ أقصى، لا تقدم إلاّ نفسها، حيث تستعرض بنرجسيةٍ سخية كلّ واحدة من لقطاتها، وفي بعض الأحيان، كلّ واحدة من صورها المنفردة (فوتوغرام)، كلّ حركة، كلّ لون، وحتى كلّ ذرة من الضوء، إنها فنّ المكان، ولكن، الزمان أيضاً، يمكن أن تصبح موسيقى بصرية، أو تمنح ما تتجنبه الحكايات العادية: التفاصيل، اللحظات الميتة (Jeanne Dielman للمخرجة "شانتال أكيرمان").

أنواع، وتاريخ
وهكذا، هي سينما بدون معايير نمطية، أو أنها تتلاعب بها، وتُزيحها، مع أفلام بمدة 8 ساعات ( Empire) لـ"أندي وارول"، أو 1/24 من الثانية، كما الحال في ( le Film le plus court du monde) ـ الفيلم الأقصر في العالم ـ لـ"إيروين هوبيرت"، يمكن أن تتكوّن من لقطةٍ واحدة، أو آلاف اللقطات، ويمكن إنجازها بكاميرا سوبر 8 بالألوان، كما 35 مللي بالأبيض، والأسود، وأحياناً، تقدم أفلاماً تتباين في تعوّدنا على أشكالها (السينما المُمتدة، أو الواسعة).
ومع ذلك، نعثر على محتوى، أو تقنيةٍ ما تتسمّ بها بعض الاتجاهات (هل يمكننا القول أنواع؟):
ـ الفيلم التجريدي، أو شبه التجريدي: من (Symphonie diagonale) ـ سيمفونية مائلة ـ لـ"إيغلينغ"، أو (Ballet mécanique) ـ الباليه الميكانيكية لـ"ليجيه" إلى (Allures) لـ"إيلسون"، أو(Synchromie ) لـ"ماكلارين.
ـ الفيلم المُتكوّن من ومضاتٍ ضوئية.
ـ الاستحواذ على لقطاتٍ مهملة، وإعادة مونتاجها بطريقةٍ تختلف عن أصولها.
ـ التدخل المباشر على الشريط الخام .
ـ سيمفونية المدينة .
ـ أفلام الرقص .
ـ الفيلم ـ الأوبرا .
ـ الغنائية الشعرية .
ـ الفيلم ـ الكابوس.
ـ الفيلم ـ الهزل من جيل .
ـ الفيلم ـ الفعل/الأداء المباشر أمام جمهور .
ـ البورتريه .
ـ البورتريه الشخصي .
ـ اليوميات .
إلخ....
باختصار، ترفض السينما التجريبية سيطرة الحكاية، القصة، والرواية، وتتوافق مع انفتاح السينما على كلّ الأنواع الأدبية الأخرى، والموسيقية، أو التصويرية، انفتاح قديم كما السينما، إذا اعتبرنا أفلام "الأخوين لومّيير" التي انجزها بطريقةٍ حِرَفية، وشخصية، هي الأفلام التجريبية الأولى.
ومن ذلك الوقت، كان تاريخ السينما التجريبية، وبنسبٍ متفاوتة، متفوقاً وُفق البلدان، والفترات :
مزدهراً في فرنسا، ألمانيا، وروسيا في العشرينيّات، ومرتبطٌاً كثيراً بالحركات الطليعية الأدبية، والفنية (الرسم التجريدي، المُستقبلية، الدادائية، السوريالية)، تنحسر معها، ومع ظهور الحوار في السينما.
الحرب التي أجبرت عدداً من الفنانين، والسينمائيين إلى المنفى، منحتهم فيما بعد حظوظاً في الولايات المتحدة، سوف يُنشّطون ما أصبح لاحقاً حركة الأندر غرواند التي سوف تتوارى عن طريق ثوراتٍ كان في مقدمتها براكاج (حوالي 1958)، كوبلكا (حوالي 1960)، سنو(حوالي 1967)، وسوف تُسلم أعقاب الدادائية ـ السوريالية المكان لسينما أكثر فأكثر تجريداً، منحت الأولوية لفكرة انشغالها بتحليل نفسها، أكان ذلك في الولايات المتحدة، أو في أماكن أخرى.
في السبعينيّات، أصبحت السينما التجريبية واقعاً دولياً على نطاقٍ واسع ـ على الأقلّ في البلدان الصناعية ـ مع خطر نمطية كونية، ولكن أيضاً مع مجموعاتٍ صغيرة أصيلة، ونشيطة (في هولندا، فرنسا، وبرشلونة).
بدون نسيان كلّ السينمائيين ـ من دوراس، إلى غاريل، من هانون إلى روبيولز، أو من مارك رابابورت إلى بيتر وللين ـ الذين أنجزوا سينما تتضمّن معنى، أو ترتكز على حكاية، ولكن من أجل أن تبقى السينما التجريبية إغراءً، ونموذجاً للاستقلالية، وفي الغالب حليفاً.
ماعدا في اليابان، حيث تعايشت سينما الحكاية، والسينما التجريبية بشكلٍ أفضل.
ورُبما يعود سبب الانخفاض المتعلق بالسينما التجريبية فترة الثمانينيّات إلى انتفاض الفيديو الذي وجد عند بعض الفنانين، وغالباً بدون معرفتهم، طموحاتٍ، وأشكالاً، ومؤثراتٍ يبحثون عنها منذ وقتٍ طويل.
وبالعكس، تميّزت فترة التسعينيّات، والألفية الثانية بتكاثرٍ غير متوقع، وبرّاق، حيث ظهر جيلٌ جديدٌ من الفنانين عارفٌ بتاريخ السينما التجريبية، وتخلص من عقدة إمكانيات التهجين التكنولوجي.
كما عرفت فرنسا غزارةً استثنائية، وتشكلت تعاونياتٍ مثل: حركة المختبرات، شبكة دولية، سيطر السينمائيون بفضلها على أدوات إنتاجهم، وبشكلٍ خاصّ التحميض، والطبع.
وبدأت مجموعاتٍ، مثل (Molokino, Metamkine, Génération Chaos) تنظمّ عروضاً، وتجلياتٍ مباشرة، وضمنت (Etna) إحدى المجموعات الاستثنائية، بالآن ذاته، التدريب، والإنتاج، والعرض، والتحليل عن طريق مجلة متخصصة بعنوان (Exploding) ، بينما استمرّ السينمائيون الكبار من الأجيال السابقة في الابتكار.
أثارت الحرية التي سيطرت على السينما التجريبية كفاءاتٍ لا تُحصى، لم يعدّ الوقت للعقائد، والشعارات، ولكن، للتجارب المُتفردة، والمُعمّقة.
كان الحماس المُستعاد قويّاً جداً إلى درجة أنّ بعض الفنانين الكبار عادوا إلى نشاطهم، على عكس الانقسام الذي طبع الثمانينيّات، وتشكل حقلٌ جماعيّ للفنانين التشكيليين، والسينمائيين التجريبيين، وسينما المؤلف.
وبدأ السينمائيون ـ الموسيقيون يتحاورون، ويتقاسمون مجموعةً من الانشغالات الشكلية: اللون، تعميق العلاقات بين الصورة، والموسيقى، معالجة الجسد.. استخدام اللقطات المُهملة من أفلام أخرى، التركيبات السمعية/البصرية، التجليات المباشرة، وكانت الأشكال التسجيلية التجريبية بمثابة فضاءات اشتغل عليها هؤلاء بكثافةٍ خلال تلك الفترة الثرية صرامةً، وإبداعاً.

قاموس لاروس للسينما، الصفحة 521/520، طبعة عام 2001.