لم يبق منهم أحد لولا قلم ساحر

رقم العدد: 4271 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/12/2018 1:00:54 PM

ميسلون هادي

هذه مجموعة لا تستحق أن تُقرأ فحسب، وإنما أن يُشار إليها بالبنان، ويُنوه عنها بامتنان، لما انطوت عليه من حكايات بغدادية تضج بالسحر والفتنة.. وتستعيد بغداد النائية التي ما زالت بالنسبة للبعيدين عنها فكرة جميلة وأثيرة في الرأس.

تروي القاصة والشاعرة مي مظفر حكاياتها البغدادية عبر ذاكرة لا يمكن الهروب منها، بحيث تجعلنا نشتاق لأمكنة عرفناها أو سمعنا عنها، ونشعر بالألفة مع كل شخص من شخوصها الذين عاشوا أزماناً راقية من تاريخ بغداد، وروحها المفعمة بعدة ثقافات انصهرت في مكان واحد أصبح يجيد التحدث بلغة متحضرة، أو يرتقي درجات التمدن بثبات.
لقد تولت مي مظفّر تعريفنا ببغداد الخمسينيات والستينيات وما قبلهما أيضاً، وجالت بنا بلغتها الأنيقة الغنية في مكان جميل نفضت عنه الغبار قبل أن يندثر، فنقلتنا معها بين محلات بغداد العريقة من الفضل والوزيرية والباب المعظم وحتى الكرادة والسعدون والباب الشرقي.. وقد فعلت ذلك عبر تهجي مفردات المدينة الناهضة من خلال لغة سينمائية مشوقة، ويوميات فائقة الجذب لعوائل بغدادية كانت تعلّم بناتها الموسيقى وترافقهن لمشاهدة أفلام السينمات.
اصطحبتنا بادئ ذي بدء في شارع الرشيد قبل أن يُهجر ويطرأ عليه ما طرأ من اندثار، فجعلتنا نرتقي الحلم المشهدي الجميل من خلال طفلة تصعد دراجتها وتمشي بها في شارع الرشيد لتتفرج على المحال العامرة بالبضائع والألعاب والكتب، فيصبح الشارع لها وحدها (بلا حراس ولا باعة ولا مشترين.. أختفت العربات ذات الحصانين والسيارات، اختفى الباعة والشحاذون وصباغو الأحذية.. لم يكن ثمة أحد على الإطلاق، حتى الكلاب والقطط السائبة التي كانت ترعبنا اختفت من الطريق. كان الشارع لي وحدي).
مرت الطفلة على دراجتها بدكاكين العصير والكتب، و تفرجت على محال المصورين الفوتغرافيين الذين يعلقون صور المشاهير من الفنانين والفنانات.. ثم جازت سينمات الحمراء الصيفي ومقاهي البرازيلية والسويسرية ومكتبة مكنزي، حتى إذا ما وصلت أورزدي باك أشهر متاجر بغداد في الخمسينيات، وجدت فيه مصعداً كهربائياً استقطب اهتمام الناس والمتبضعين، وطغى بشهرته، مع المصطبة التي تؤثثه، على شهرة كافيه المتجر الكبير الذي يطل على نهر دجلة، ويضم طيفاً واسعاً من المستلزمات والبضائع والملابس والأجهزة ذات المناشئ العالمية.
المصعد مفتوح والمصطبة فارغة.. والطفلة التي ترجلت من دراجتها محاطة بعالم من اللعب الساحرة وسط صمت عميق.. جالسة تتفحص وتختبر وتنتقي دون رادع أو رقيب. وسنعرف من خلال رحلة النوستالجيا تلك تفاصيل الزمان والمكان مرسومة بقوة الحنين إلى هذا الشارع من مبتداه وحتى منتهاه... أما طفلة العقرب فدارها تقع في حي السعدون، وخلال فيضان دجلة عام 1954 سنتعرف على عصر كامل حدث خلاله لبغداد ماحدث، فهاجرت راحيل جارتها اليهودية وصديقتها في المدرسة مع أهلها إلى اسرائيل، وجاء إلى خلف سدة ناظم باشا الكثير من الفقراء والفلاحين الهاربين من الجنوب، ومن بينهم الصبي حمزة الجائل مع أهله لبيع الحليب وقت الغروب، وهو الذي سيخرج من صمته العميق في لحظة رمزية، وينقذ الطفلة من صبيان متنمرين يحيطون بها ويخيفونها بعقرب أصفر اللون.
سينما الخيام لها مكان جميل في ذاكرة البغداديين، وميساء بطلة أخرى، ليست اسماً على مسمى، لأنها ممتلئة الجسم لها موعد أسبوعي في السابعة مساءً لحضور السينما مع صديقاتها، وفي سينما الخيام كان الفيلم المعروض هو "هيلين أميرة طروادة"، فتصف لنا القاصة مظفّر مقصورات السينما وجدرانها المزيّنة بخمريات الخيام، وتترجم لنا أحلام بنات وشباب تكون النظرات البعيدة هي أقصى ما يمكنهم الحصول عليه من الغزل البريء.
أكثر ما شدني في المجموعة هو ما رشح عنها من الروح الرومانسية للأبطال والبطلات، والتي ما زالت ملازمة للشخصية العراقية مهما ساءت الظروف، وعبرت عنها جيداً أغلب قصص المجموعة ومن بينها قصتان هما: (يوم تزوجت أم كلثوم) و(يوسف عمر). في القصة الأولى يقع هاوي أغاني وتراث أم كلثوم في هواها شخصياً، فلا يكتفي بعشق صوتها وجمع صورها وتتبع أخبارها، وإنما يعشقها هي، ويمنّي نفسه بالزواج منها، حتى إذا ما سمع بأنها تزوجت من الحفناوي طبيبها الخاص، حدثت الطامة الكبرى.. ومثل هذه الخيبة تحدث لعاشقة يوسف عمر، التي تتابع آثاره وتعشق مقاماته وأغانيه وتريد اللقاء به، حتى إذا ما استدلت على عنوانه ووصلت بيته في الصرافية وجدته (يطير الطيور) على السطح فتصاب بالطامة الكبرى في حلمها.
قارئ هذه المجموعة قد يتمنى لو كانت مي مظفر قد استثمرت شخصياتها الثرية المتحركة، من المسيو جميل عازف البيانو وحتى يوسف عمر قارئ المقام، في تقديم عمل روائي كبير يكون أوسع أثراً وانتشاراً عن تلك الفترة المهمة من تاريخ بغداد المدهش في غناه الثقافي والاجتماعي والفني، غير أن الاستجابة لمثل هذا الرأي يعني حرماننا من هذه المجموعة الثمينة التي أعادت لنا جاذبية فن القصة القصيرة عبر حكايات جميلة كانت ستندثر ويختفي كل أثر لها، لولا قلم ساحر وشاعر لكاتبة كمي مظفّر .