كـــلام اليـوم: رسالة إلى مجلس القضاء الأعلى

رقم العدد: 1 تاريخ اخر تعديل: 10/1/2012 9:22:00 PM

اليوم سيصدر الحكم النهائي للمحكمة الاتحادية بدعوى الطعن في \"قانون حقوق الصحفيين\" الذي شرعه مجلس النواب العام الماضي وسط عاصفة من الاعتراضات والاحتجاجات المحلية والدولية عليه. وسيحدد الحكم المنتظر أطر ومستقبل التحول الديمقراطي في البلاد، فحرية الإعلام والتعبير هما الضمانتان لازدهار روح الديمقراطية.

ما هو السؤال الجوهري الذي يشغل بال كل صحفي عراقي يسعى لإقرار قانون يحميه وسط واقع مضطرب ويمنحه الحق في الحصول على المعلومة ويضمن له  حياة كريمة ومستقبلا آمناً؟ الطبيعي أن تتنوع الإجابات طبقا لموقف كل صحفي واهتماماته ورؤيته، فلو فكر الصحفي بأن الحياة تبدأ وتنتهي ببطاقة عضوية نقابة الصحفيين، أياً كانت الجهة التي تدير النقابة، فقد ارتضى لنفسه أن يصبح تابعا لجهات تحاول أن تستغل حاجته ومعاناته لتسويق مشاريع وهمية ومنح وعطايا ليست أكثر من فضلات ترميها الحكومة وقت الضرورة لإسكات بعض الأصوات. وفي هذه الحالة علينا ألاّ نستغرب أو نندهش من تفاقم حجم الخراب الإعلامي الذي يصاحبنا كل يوم. لكن لو فكّر الصحفي أن بإمكانه المساهمة في تغيير المعادلة المختلة التي جعلت من نقابة عريقة مثل نقابة الصحفيين تتحول إلى مكتب تابع لمكتب رئيس الوزراء، في هذه الحالة نكون قد بدأنا في وضع أولى خطوات علاج الحالة الإعلامية المصابة بأمراض مزمنة، وتقليل نسبة الخراب شبه التام. الحماية مهمة للصحفي، لكي يؤدي دوره الحقيقي، فلكي يبدع ينبغي أن يعيش حياة كريمة آمنة، لكن ذلك ليس كل شيء، فمن يشاهد تطور الإعلام في العالم، بل وحتى في بعض دول الجوار يدرك حجم تراجع الصحافة العراقية، ومن يطالع كبرى الصحف العربية يدرك حجم المأساة المهنية التي نعيشها.  ما يتطلع إليه الصحفيون الحقيقيون، أبناء المهنة، أن تنظر المحكمة الاتحادية في دعوى الطعن بقانون حقوق الصحفيين، من زاوية الدور الكبير المأمول من السلطة القضائية في حماية الديمقراطية الناشئة في البلاد، فهذا ممّا يساعد في صنع مستقبل يليق بالصحافة العراقية وبالعراق. فنحن لا نريد، ونتوقع أن يكون لقضاة المحكمة الاتحادية الموقف نفسه، لصحافتنا أن تستمر في حالتها المتكلسة الراهنة، التي تجعل من المسؤول الحكومي متحكما في مصائر الصحفيين ومؤسساتهم، بيديه يفتح باب الإعلان والمعلومة لمن يشاء، وبيديه يغلق هذه الباب حين لا تتلاءم سياسة الجريدة مع هواه أو نزعاته.  صحفيو العراق يريدون قانوناً يساهم في دفع عجلة العمل الإعلامي إلى الإمام، ونقابة تفاوض الحكومة والدولة على حقوق جميع الصحفيين من مركز القوة والهيبة التي يجب أن يفرضها الإعلام برصانته وموضوعيته واستقلاله..  نقابة تحترمها الحكومة والدولة والمجتمع وليست نقابة تنظر إليها الحكومة باعتبارها غير مؤثرة ولا خوف منها، بل موضوعة في الجيب... نريد نقابة قادرة على تحقيق المعادلة الصعبة بين حقوق الصحفيين المعيشية وكرامتهم المهنية كقادة رأي. لا نريد للنقابة أن تتحول إلى دكان يديره عجزة يرتجفون خوفا حين يمر المسؤول من أمامهم. أيها السادة قضاة المحكمة الاتحادية الأجلاء، مشكلات الصحافة العراقية كثيرة، وهمومها أكثر، ومستقبلها تكتنفه الصعاب، ورغم ذلك يخرج علينا عدد من النواب مصرين على بقاء القانون بشكله الحالي، فهم يريدونه على مقاس مجلس النقابة لا على مقاس الصحفيين الحقيقي، ولهذا نحن ندرك جيدا أن بعض القوى السياسية  لا يمكن لها أن تسمح بوجود مجلس نقابة ممتلئ بشعور المسؤولية المهنية والوطنية ومرفوع الرؤوس دائماً.  ندرك جيدا أننا حين نضع  مصير حرية الصحافة والديمقراطية الناشئة في البلاد بين يدي القضاء العراقي، فان ذلك سيعلي حتما المصلحة العامة لجميع الصحفيين، وسيدفع القضاء إلى الدفاع عن قانون يشارك في صياغته كل الصحفيين. السادة قضاة المحكمة الاتحادية المحترمون، لا أحد يرفض قانونا يحمي الصحفيين ويضمن لهم الحصول على المعلومات بحرية ويضمن لهم نشر هذه المعلومات بحرية والتعبير عن آرائهم بحرية. وهذا هو القانون الذي يحتاجه صحفيو العراق ويحتاجه العراق المتوجه نحو الديمقراطية.. قانون يحمي الصحفيين من تعنت الحكومات والأحزاب السياسية، ويجعل منهم سلطة رابعة حقيقية لا تابعين يقفون على أبواب المسؤولين يستجدون \"المكرمة\" قبل المعلومة.