الاعمدة
2016/06/14 (18:46 مساء)   -   عدد القراءات: 1045   -   العدد(3672)
كلام اليوم
الغيرةُ الوطنيّةُ متى تخلّت عن العراقيين؟
المدى




كان الواحد منّا أيام زمان، ما أن يُعَرّض أحدٌ ما بغيرته على وطنه حتى  يشتاط غضباً، وفي حالات معينة يبلغ استياؤه حد استعمال اليدين واللسان، وقد يُغمى عليه من الانفعال. كان الوطن، وكانت الوطنية، قيمة أسمى من أثمن ما للإنسان من قيمة أخرى، إذ كان يُضحّي بها في سبيلهما.
لم تكن الوطنية في ذلك الزمان، أرضاً وحدوداً وتضاريس وأنهاراً وما فوقها أو تحتها من ثروات، بل معنىً مُضمرٌ يتجلى في كل ما نتنفسه ونراه ونتلمسه ونحسّ به وتتشنّف به أسماعنا. وكنا نعبِّر عن ذلك المعنى بالوجدان والضمير والشرف ونراه طيفاً يراودنا في أحلامنا الجميلة، ويعدنا بجناتٍ في الأرض، فوق أرضنا نحن، وفي وطننا نحن، فلا جنان في غير وطننا، ولا مستقبل بغير وطننا، إنه وطنٌ يختزل كل الاوطان، ويجسّد كل الاحلام ..!
في تلك الايام الخوالي، كان عيباً قبيحاً أن تتحدث أو تفكر، مجرد التفكير، بالهجرة الى أوطانٍ أخرى. كان عيباً أن تذهب الى الدراسة في بلاد الفرنجة ولا تعود لتخدم في وطنك. ومثل الفلاح الذي يشعر بالعار أن يتخلّى عن أرضه، وإن كانت سبخة، كان العراقي يحسّ بالعيب أن يغدر بوطنه فيهجره ويتخلى عن جنسيته وناسه ليفاخر بأنه صار كبيراً في بلدٍ غير بلده. وهو في نظر الناس صغيرٌ ليس له مكان وسط أهله وذويه ومعارفه لأنه صار "خواجة" يتفاخر بغير وطنه وأهل بلدته، وإن كانوا حفاةً ، شُبه عراةٍ، يفترشون الارض وأديمها، ويلتحفون السماء وفضاءها.
وجاءنا يوم ليصبح الوطن "عاهةً" نسبّها ونستعير كل شتائم الأمم الأخرى لنلصقها به جهاراً  ليل نهار، ونتفنّن في البراءة من "قيمته"، ونتساءل عما إذا ظلت له ثمّت قيمة حقيقية يمكن أن نبقيها له دون أن نخشى ملامة كل من يحيط بنا سواءً بسواء. لا فرق بين فقير وغني، حاكماً أو محكوماً ، إرهابياً أو ميليشياوياً، سنياً أو شيعياً. فقد بات طاعوناً لم يُكتَشف له علاجُ حتى الآن.
وشيئاً فشيئاً، بات الوطن نفسه يبكي على حاله لأنه لا يستطيع التخلي عن ذاته، أو تغيير هويته أو الهجرة الى حيث يمكن أن يستعير له اسماً آخر يُخفي فيه داءه ومحنته، ويحتمي به من مكاره صارت تأتيه من كل صوب، ولا يمانع أن يصير مكبّاً للنفايات لعلّه يُطمر تحتها، ويعافه الناس، وقد يأتي عليه زمن يتفتح على مساحة وطن تفوح من جنباته عطور الياسمين والرازقي والشبّوي، وتغرّد في سمائه كل طيور الدنيا المهاجرة لتحتمي به.
وأي وطنٍ يتمنى أن يكون مكبّاً للنفايات الآتية من كل أرجاء العالم غير وطننا الذي غاب عنه ما هو فيه، فأيّ نفاية يتمنّاها وهو يغوص في مساحة منها تكفي مكبّاً لكلّ أوبئة العالم ويفيض ..!
أكتب هذا وأنا أقرأ أجمل تجسيدٍ لما صرنا عليه: كاركاتير ذكيّ، يظهر فيه الشيطان وهو يرمي ساستنا الحجيج صارخاً: أنا أخجل مِن كل ما تفعلونه في وطنكم ..!



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون