تشكيل وعمارة
2016/12/17 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 4726   -   العدد(3803)
النحات العراقي (حيدر وادي) يحلق عالياً في حلم أنثوي مجنح
النحات العراقي (حيدر وادي) يحلق عالياً في حلم أنثوي مجنح


لندن/ محسن الذهبي

سأل أحدهم "بوذا" قائلاً :علمني النحت يا بوذا، فردَ عليه : اذهب و تعلم الرسم و الرقص و الفلسفة و الموسيقى ثم اطلب مني أن أعلمك النحت.
تذكرت هذه  الحكاية ، وانا  اتامل منحوتات الفنان العراقي المغترب في ليون بفرنسا (حيدر وادي) والمولود ببغداد1976 ، وهي تسعى للخروج من الكامن الجامد إلى المعبّر المفتوح الأفق أو من الواقع إلى المتخيل برشاقتها وبخطوطها التكوينية اللينة وحجومها الإيقاعية الراقصة. ففي الوقت الذي ازداد اهتمام النحاتين بالتجريد، حتى  اصبح اهتمامهم منصباً على مشكلات التكوين وأهملوا المحتوى أو الرسالة في العمل النحتي. ولم يَعُد اهتمامهم مركَّزاً حول ثيمة الإنسان للتعبير عما يحيط به .  نجد ان اعمال  الفنان (حيدر وادي ) تعاكس تلك الموجه ، فيعود في منحوتاته للاشتغال على الدلالات التعبيرية مستفيدا من مخزون الفنون الشرقية وتاثيراتها الفكرية فهنا يمكن ان نؤشر بوضوح لمرجعيات من موروث حضاري ، يخص بلاد ما بين النهرين في فن النحت وتأثيرات الفنون الإخرى عموما ، وبهذا تكمن مصداقية الفنان في التأثر من الأصول  والتجديد وتأصيل ما يجدد دون أن يفقد هويته وتفرده الاسلوبي. فهو يمزج بين التشخيصي (figurative) والتجريدي مبتعدا عن البنائي- السكوني الجامد  متخذا من المرأه وطموحها في الانطلاق موضوعا لأغلب اعمال في هذا الأسلوب  . عاكسا فكرة حكائية قديمة من الموروث الشرقي في طموح الرجل في التحليق والطيران - كمحاولة عباس بن فرناس واخرين  - مستبدلا ذلك باشكال انثوية في تحقيق حلم التحليق عاليا في الأعالي كي يعبر عن قدرة ( الفرد- المرأه ) على الانفلات من كل الاطواق المحيطة بها ، مستعيرا اجنحة الاخرين لتحقيق الحلم .
ان اعمال (حيدر وادي ) تجمع بين البناء الشكلي التجسيمي الانثوي و البحث عن الحرية كمترادف لإبراز قدرة النحتية فهو لا يختزل الشكل بل يعتمد وباصرار على إبرازه على أكمل وجوهه ، نحتاً مجسماً قائماً في الفراغ . فالمعالجة النحتية عنده قائمة على حركة الكتلة المتوازنة حجما "وفراغا" معا ، آخذاً بعين الاعتبار بساطة السطوح ومرونتها وقوة ارتباط الكتل المشكلة للمنحوتات في بناء الحضور المعبر والجميل لكتلة المنحوتة ككل في الحيز الفراغي وبتوازن تكاملي وكأنه يحاول دمج الفراغ بالزمن ليعطيه بعداً مضافاً . بالاضافة الى أن التناسب الموزون بين الكتله كمساحة وهيكلية الفراغ . والتي تعكس قدرة النحات العالية والمتمكنة في الوقت نفسه رغم انه لم يختر احجام كبيرة لمنحوتاته . ويتظافر ذلك مع الكثير من الدقة والصدق في التعبير ما يجعل العمل الفني يتقدم رؤية متخيلة لدى المتلقي تثير فيه كوامن حلم ما بالانطلاق .  ان عملية الخلق عند الفنان وكما يعبر (بول فاليري ) إنما غايتها هي إثارة عملية خلق أخرى لدى المتذوق .
فأعمال النحات (حيدر وادي ) فضاء مفتوح على الأحلام اللامتناهية فهي تستشف الواقع بابعاد ودلالات سيميولوجية متنوعة . وهذه الافكار تتالف بعلاقتها بالمنظور العام وتندمج معه ، وأهم شيء فيها هو أن المتلقي لهذا العمل يحاول أن  يتخيل هذه المنحوتات البرونزية رغم ثقلها لديها القدرة على الطيران والتحليق في الفضاء الواسع .  فعند رؤيتها من بعض الزوايا, وخصوصا من الجوانب وكأنها تطير وتنطلق محلقه بعيدا حتى لو في حلم .
ان الفنان يحاول جاهداً إقامة حوار جمالي مفتوح  بين عمله والمتلقي عبر الهيئة والملمس والتكوين، وهو الحوار الذي نتعرف من خلاله ايضا، على مدخلات النظام البصري الذي يتشكل معه نسيج العلاقة بين مبدأ التكوين وجوهر التعبير . وهذا التصور لأسطورية العمل، لا يعني أن أعماله بعيدة عن الواقع أو غير حقيقة، بل أن الهدف الأساسي هو التعبير عن الإنسان العبقري المنطلق، بشكل نساء مجنحات ، كي يرسخ فكرة غير جديدة بالمطلق بالنسبة لفن النحت، فهو يعبر عن مجاز ليحطم به سلبية الواقع والركون الى الاشياء .
أن (حيدر وادي) عبر اعماله البرونزية هذه يريد ان ينقلنا إلى عوالم حلمية، تبتعد عن الاشكال  المألوفه في النحت، وفي الفن عموما، فهو يقدم رسالة مشاركة منه للآخرين هدفها أن تجمع كل البشر في إحساس واحد . وحلمه أن يتواصل الناس من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في تغيير الواقع المأساوي المستلب لحرية المرأه وليس تجميل الأشياء فحسب ،فهو يجتهد في البحث عن انسب الأشكال المعبرة. من أجل ابراز الحقيقة المختفية خلف أقنعة الواقع ، والتي لا نراها في فن النحت التقليدي بل نراها في الحقيقة الإنسانية. والتي نكتشفها في الأشكال الحركية والصيغ المبتكرة التي تبحث عن الهوية المستقلة .‏ والتي تحمل فلسفه مقبولة عبر لغة تحاكي الثقافات العريقة من خلال تمازج العناصر العضوية  والثقافية في اعمال تعكس عمق الفكر الإنساني والمخيلة الروحية الخصبة والأمر هنا  يطلب وضوحا خاصا في الفكرة والشكل وتهديم التصور السائد حول النصب التذكاري والاعمال النحتية ، كشيء راسخ  جامد بدون حركة . فانسيابية الحركة وتعبيرية الكتلة والفراغ اللذان تتميز بها أعمال الفنان قد كسرت هذه التصورات .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون