تشكيل وعمارة
2016/12/17 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 5073   -   العدد(3803)
الحاضرة في العراق.. مدن بلا منازل
الحاضرة في العراق.. مدن بلا منازل


محسن علي الغالبي

" وتسأل: ما معنى كلمة وطن ؟ سيقولون: هو البيت .... " محمود درويش
 إن منحك الوطن بيتا ً فانت خائن إن لم تحبه، وان كنت لا تملك شبرا ً فيه فافعل ما تشاء.
 من الطبيعي جدا ً ان يُختصر الوطن  في البيت، وتتركز الطفولة فيه، وأن تكون الجنة هي البيت الذي يأوى اليه المرء بعد تعب.





 وعادة ما يقترن البيت بالعائلة ( لاحظ لفظة البيوت والبيوتات ). وهل يمكن للعائلة أن تجد كيانها دون مستقر لها هو البيت؟ ويشكل البيت الخلية الاساسية التي يتألف منها جسد المدينة، والمدينة التي بلا جسد أو بجسد متآكل مهترئ كمثل دولة بشعب منهك يفتّ الضعف عضده.
 ومن الناحيتين التخطيطية والمعمارية – موضع البحث هنا – يشكل البيت أكثر معالم المدينة ووحداتها التصاقا ً بالفرد وأكثرها خصوصية  Private. وهو الجزء الذي يحق لمالكه  - وليس ساكنه فقط – التصرف به بشكل شخصي وخاصة في تكوينه الداخلي. عادة ما تعتبر واجهات المنازل وفضاءاتها الخارجية جزءا ً مشتركا ً مع الوحدات المجاورة يتوجب على المالك والمصمم مراعاة الذوق العام والمصلحة العامة فيها ولهذا وضعت بعض المحددات والقوانين والضوابط لذلك، كالارتفاع واللون والطراز والشرفية وغيرها.
 ولذلك فإن المنزل الخاص  يتحول الى مرآة تعكس طبيعة مالكها الذي يسكنها، كما انها تؤثر بشكل عميق في شخصية ساكنها وفي تركيبة العائلة التي تقطنها. تشير بعض الدراسات التي أجرتها بعض الجامعات الاسكندنافية ( دراسات ليدن واولسون ) أن شكل المنزل وخصائصه والفضاءات المحيطة به تؤثر بشكل واضح على التكوين النفسي للعائلة وفي تشكيل هويتها. فما هي هوية العائلة التي لاتمتلك مسكنا ً خاصا بها؟ وما هي هويتها إذا كانت تتنقل من محل الى آخر دون شعور بالاستقرار؟
 من الطبيعي والمنطقي أن يكون هناك توازن بين خصوصية البيت وبين الطابع العام للمدينة. ودراسة المنزل التقليدي Traditional House لمدننا تبين ذلك بوضوح وتبين مدى إدراك المصمم  - البنّاء – آنذاك لهذا التوازن. فبساطة الخارج وثراء الداخل يبدو واضحاً للعيان، ولايخلو الخارج من الثراء أيضا ً ولكن بنسق معماري متجانس يمنح المدينة كلها هويتها ويحتفظ للبيت بخصوصيته العالية.
 وليس الغرض هنا من هذا المقال هو الاشارة الى الفوضى التي اجتاحت شكل المنزل المعاصر الذي دخل مباراة هزلية في التصميم وفي الانهاء وفي إيجاد أشكال وسطوح وتكوينات لايحكمها أي منطق أو فلسفة معمارية سوى سباق التعالي والتفاخر والتبهرج والتظاهر بالغنى وعادة ماتكون النتائج عكسية تماما ً فاستحالت أحياؤنا السكنية الى مسرح مبتذل لهذه التكوينات. وقد لعب المعماري المصمم دورا ً هزيلا ً في إخراجها.
 ولكن الغرض من المقال هو الاشارة الى القيمة المعمارية للبيت نفسه والى الثراء الداخلي الذي يحيل البيت الى مكان خاص متفرد يرتبط بالعائلة  التي تسكنه ويؤثر في حياتها اليومية بشكل إيجابي في كل النواحي.
 عادة ما نجد لدى رواد العمارة منزلا ً متفردا ً يصب فيه المصمم خلاصة فلسفته وعصارة فكره فيرتبط باسمه، كفيلا لا روتوندا للايطالي بالاديو، ومنزل الشلال للاميركي فرانك لويد رايت، وفيلا سافوي للسويسري/الفرنسي لي كوربوزيه، ومنزل فرانزوورث للالماني/ الاميركي ميز فان در روه، والبيت الزجاجي للاميركي فيليب جونسون،  ومنزل شرودر للهولندي غيرت ريتفلد،  والكثير غيرهم. وقد تميز بعض المعماريين بتصميم البيت بالذات مثل المكسيكي لويس باراغان، كما اشتهر المعماري البريطاني/ السويدي رالف ارسكن بالمنزل الصندوق في ستوكهولم، كما عمد في تصميم منزل له بوضع العمود داخل فضاء غرفة النوم مما جعل العائلة الساكنة تعتز به وتعتبره – حسب قولهم- فردا ً من أفراد العائلة. وتشكل تصاميم المعماري الاسباني فران سيلفستر للمنازل روائع لاتضاهى.
 فما هي القيمة المعمارية Architectural Value التي يمتلكها البيت العراقي المعاصر؟ وماهي مقومات ثرائه الحالية؟ وما هي الاثار التي يتركها البيت المعاصر على ساكنيه، ومقدار ارتباطه بشخصيتهم، والذكريات التي يحفرها في ذاكرتهم؟ وهل يمتلك البيت العراقي المعاصر طابعا Character  خاصا ً به؟ وهل هناك طابع عام يمنح المدينة قيمة أعلى؟ وهل يملك المجتمع ثقافة تؤهله لاختيار الملامح والتكوينات الانسب لوطنه الاصغر – البيت -؟ والكثير من الاسئلة التي لايمكن الاجابة عليها في بضع جمل.
 إن الغالبية العظمى من المنازل المشيدة حاليا ً في عامة مدننا لاتملك أية قيمة معمارية تذكر وما هي الا نتاجات مقاولي البناء لسد حاجة أناس للسكن تحكمهم أهواء السوق والثقافة السائدة – رغم ضحالتها – وفي أحيان كثيرة العامل الاقتصادي وكلفة البناء. وهي مجرد تجميع لفضاءات السكن الضرورية بعلاقات واهية جدا ً لاعلاقة لها بالافراد المستخدمين لها، تجتمع بشكل ما تحكمه مساحة الارض ليبرقع في النهاية بواجهة تلصق به كعباءة تخفي ورائها مالا علاقة له بها.
 لقد أصبحت منازلنا الحالية متشابهه في تكويناتها الداخلية الى حد المسخ ففقدت معها كل الخصوصية  Individuality  والتفرد والمناخ الخاص Microclimate . فما تجده في منزل تجده في المنازل الاخرى. هذا الامر الذي يؤدي الى إضعاف ارتباط الفرد ببيئته المعمارية الخاصة به، ويحيل البيت الذي هو أشد الاماكن خصوصية في المدينة الى أماكن لاتختلف عن الاماكن العامة التي يتهرب المرء منها ليلتجئ الى عشه الخاص فلا يجد فيه مبتغاه. أن الفرد في الشرق الاوسط عموما ً في حاجة ماسة الى جرعة كبيرة من الخصوصية والهدوء، والبيت هو فرصته الاخيرة للحصول عليها، لكنه غالبا ً ما يفقدها.
 يحصل المنزل على الكثير من قيمته المعمارية الحقيقية من خلال ارتباطه بالافراد الساكنين في تلبية حاجاتهم المادية والاجتماعية والنفسية والعاطفية، ويحقق ذلك من خلال التركيز على العلاقات التصميمية وعناصرها بشكل حميم يركز الذاكرة لدى هؤلاء الساكنين ولاينفصل عنها. وعادة ماتكون الفضاءات المشتركة في البيت كصالة المعيشة والاستقبال وكذلك الفضاءات المفتوحة كالفناء الداخلي والحديقة وسطح المنزل – أصبح فضاءً مهملا ً الان وقد حاول لي كوربوزيه إعادة الاهتمام به إذ جعله أحد الامور الخمسة المفروض تواجدها في التصميم – هي الاكثر لتواصل الافراد واحتضان هذه العلاقات التصميمية والتركيز عليها. يمكن بسهولة في الوقت الحاضر ملاحظة أن الاهتمام بعمارة الفناء الداخلي لايعادل جزء صغير من اهتمام صاحب المنزل بعمارة المطبخ وبدرجة أقل بقليل من غرفة الاستقبال التي تسرق الاهتمام الأعظم مع ندرة الحاجة اليها – من المستحيل أن يكون استخدام الاستقبال يوميا ً كما هو الحال في الفناء والمطبخ والمعيشة -.
 كما أن البيت كي يحقق هدفه كبيت لابد أن يتضمن من الفضاءات الخاصة ما يشبع حاجات مالكه وساكنه ومستخدمه من راحة وعزلة وهدوء، بالاضافة الى قدرته على الدخول في تفاصيل حياته والتفاعل معها والبقاء في ذاكرة المرء ويستدل على ذلك من حنين المرء الى منزله عند الابتعاد عنه. حين يمتزج كل فضاء من فضاءات المنزل ببعض الذكريات والاحداث، وحين تعلق كل تفاصيل البيت بالذاكرة، كل حجر فيه، كل زاوية، كل انعطافة، كل نافذة وكل كوة صغيرة، وكل حنية، حتى الشقوق التي تمتد في بعض جدرانه تكستب قيمة خاصة لاتنسى. يشير فيلسوف الجمال جاستون باشلار في كتابه "جماليات المكان" الى الكثير من هذه العلاقات الانسانية.
 " إن  البيت هو ركننا في العالم. إنه كما قيل مرارا ً، كوننا الاول، كون بكل ما للكلمة من معنى.... ولكن حياة البالغين تفتقد مزايا جوهرية، وروابطها الانثرو-كونية ضعفت الى حد أننا توقفنا عن الاحساس بالارتباط الاول بكون البيت. " باشلار.
 لابد من  الاشارة هنا الى أنه في السنوات الاخيرة برز بعض الافراد من المعماريين وخصوصا ً الشباب منهم الذين يحملون الكثير من الجدية في تصميم المنزل بالذات وفي الرغبة بتغيير الواقع المزري له وإن كان السوق ما يزال يمارس ضغوطه المؤذية في عرقلة خطواتهم. بالرغم من ذلك فقد حقق هؤلاء الشيء الكثير ومن المؤمل ان يحققوا ما هو أكثر.
 بعيدا ً عن سوء الخدمات الفاضح في القطاعات السكنية لمدننا، وبعيدا ً عن الاهمال المقصود وغيره في تنظيم هذه القطاعات، فإن ضعف الثقافة العامة وفساد الذوق وعدم الفهم لأهمية المنزل المعمارية، واللامبالاة في تشكيل المنزل وتصميمه وإدراك دوره في تشكيل العائلة وأثره في حياتهم هي من أهم الاسباب التي أطاحت بالقيمة المعمارية للبيت المعاصر، وجعلت قطاعات السكن أشبه بالمعسكرات السكانية البائسة – تكفينا مدينة الصدر ( الثورة سابقا ً ) كمثال صارخ على هذا -. تلك الاسباب التي تساهم في تدمير نفسية ساكنها بدلا من بنائها، وفي تركيز حالات الضغط عليه بدلا من التخفيف عنها، وفي مضاعفة حاجاته الضرورية بدلا ً من سدها. وكأننا نعيش في مدن لا منازل فيها.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون