المزيد...
تشكيل وعمارة
2016/12/24 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 5138   -   العدد(3809)
فلسفة التصميم الكرافيكي ولغة الاتصال البصري
فلسفة التصميم الكرافيكي ولغة الاتصال البصري


د. خليل إبراهيم الواسطي

1-3


في الفنون البصرية على مختلف أنواعها تستخدم وسائط نقل مسطحة (ذات البعدين Tow Dimension) ، وهذا اول شرط خاص يتعلق بتنظيم العلاقة المكانية والحيزية ، حيث يضع المصمم أفكاره واعماله بعلاقة البعدين فيها ، لكن قد يتطلب من المصمم ان يضع علاقات مرئية باكثر من بعد واحد في التصميم، وذلك ما نراه في التصاميم الطباعية الحديثة الدقيقة، إذ انها وان كانت مسطحة الوسط ففيها رسوم صورية ثنائية البعد وثلاثية الابعاد، وبعض منها ببعد رابع كالرموز والاشكال المقننة وبالصوت والصورة.

أما الشرط الآخر ، فهو تنظيم العلاقات البنائية وطريقة تجميع وترتيب وتنسيق اشكالها ورموزها وصورها وحروفها على هيئة السطح المسطح ذي البعدين.
فاذا اخذنا موضوع التصاميم الدقيقة، فان الشكل والصورة العامة وطريقة تجميع معلوماتها وبياناتها تتم بهذين الشرطين وحينما اخذت فلسفة الفن ابعادها ومضامينها الجمالية والتطبيقية في القرن العشرين بفضل التقدم العلمي والتقني للعلوم الطبيعية والانسانية والاقتصادية والفضائية، نتيجة معطيات الثورة المعلوماتية (العقود الأخيرة من هذا القرن) وما آلت إليه هذه الدراسات وبالذات فيما يتعلق بحقل العلوم والفنون التطبيقية والجمالية من ان تشترك في اسس ثابتة وحقائق إلى حد ما ، ذلك التي تتعلق بالتوازن والتوافق والانسجام (للصور الفكرية والاشياء المادية) ولخصائص علاقاتها المكانية والجوهرية والزمنية ، مما يعد تطوراً لفن وضع التصاميم.
ان فلسفة فن التصاميم تدور محاورها بين المنهج العلمي للتفكير والمنهج الفني للتعبير والمهارة المعرفية لوسائل نظرية الاتصال الادراكي (الحسي والذهني) التي تتمثل اساسياتها في كيفية ايصال المعلومة او الفكرة المصممة الى متقلبها أو مستخدمها بوضوح تام دون تشويش أو اعاقة في الفهم من ناحية الشكل والمضمون والكم والكيف . كما في المخطط التالي:
وبما ان التصور والادراك والعلم بالمادة أو الشيء المحسوس او المدرك في نهاية الامر هو حضور صورة الشيء عند العقل ... ، فبهذا المفهوم تعمل جميع لغات نظريات الاتصال في مختلف العلوم التي من اهمها لغة الاتصال البصري ، وهي لغة جميع الفنون البصرية ، والمبنية عناصر مفرداتها من الرموز ، والعلامات ، والاشارات ، وان هذه اللغة قد نظمت مبادئها واسسها العلمية والعملية من نظريات الاتصال وفق قواعد وقوانين علمّي السميولوجيا والسيبرنطقيا (Semiology and Cybernetic) .
وبفضل تطور مفاهيم علمي السيميولوجيا والسيبرنطيقا ولغات نظم الاتصال هذه أصبح مفهوم التصميم نظام انساني أساساً لكل اوجه النشاطات التي تشمل جميع نواحي الحياة الحديثة.
فالتصميم عمل اساس للانسان فنحن كلما نؤدي شيئاً لغض معين، فاننا في الواقع نصمم .. وهذا يعني ان معظم ما نقوم به يتضمن قسطاً من التصميم.
ان الانسان يحتاج دائما الى الاتصال، وحينما تكون لغة الاتصال المكتوبة والمقروئة والمسموعة عاجزة عن هذا الاتصال ، فتعد لغة الرموز والاشارات احدى وسائل الايصال المهمة المكملة ، فاللغة والاشارات ، رموز تعبر عن الفكر والواقع ، وصلة هذه الرموز وثيقة ومتينة ، لا سيما اذا علمنا بان الاشياء لها اربع وجودات ، منها وجودان حقيقيان وهما : وجود حسي ووجود فكري (ذهني) ، ووجودان وضعيان هما : وجود لفظي ووجود كتابي او خطي ، والرموز هي العمود الفقري للاتصال وبدونها لا يمكن للاتصال ان يحقق اغراضه ، فثمة حقيقة واقعة هي ان عملية الاتصال في جميع انماطها تتوقف على انتقال الرموز ذات المعنى المتعارف عليه التي يستخدمها الانسان من اجل التوافق النفسي مع العالم الخارجي.
فالاتصال هو نقل للمعاني عن طريق الرموز ، والرمز الذي يحمل المعنى والفكرة هو جوهر الاتصال بجميع صوره ، والرمز بالمعنى الدقيق لا يكتفي فيها بمجرد الدلالة ، بل يضيف اليها شحنة عاطفية من نوع معين مقصود ، فالهلال مثلاً رمز للاسلام وكذلك السواد والبياض يدلان على الحزن والفرح والغضب والارتياح او الكراهية والحب ، وهي حالات نفسية تنطق ولا تكتب. من هنا يكون الرمز عنصراً مهماً للتفاهم ، فعلم الطبيعة رموز والرياضيات رموز والفلسفة تحليل للرموز والتفاهم في الحياة اليومية قائم على الرموز وتقاليد المجتمع وعقائده اشارات رمزية والاساطير رموز والتعبير عن القيم الاخلاقية والجمالية لا يكون الا بالرمز ، والفن كله رموز ، رموز صوتية ورموز لونية حتى احلام الانسان هي رموز .
وقد ادت الرموز دوراً مهماً في الفنون البصرية والاديان ، وبالامكان ملاحظة الترابط الوثيق بين الفن والدين خلال تاريخ البشرية ، حيث استعمل الرمز لترجمة اشكال معقدة الى اشكال مبسطة لكنها دقيقة وتؤدي المعنى نفسه للشكل المترجم واستعمل الرمز ايضاً في بعض الرسوم الكرافيكية المبسطة لاستعماله في اساليب التصميم المختلفة.
فعملية الاتصال مبنية بالاساس على قدرات الادراك البصري واستجابة الانسان لها ، اذ ان بعض الافراد يستجيبون الى ثلاثة انواع على الاقل من الصفات البصرية في نمو المدركات.
أ- الصفات المؤثرة المجردة من الاشياء متضمنة الفن وهو يوقظ الاحساس (مادة ما وراء المعاني الرمزية المعبرة).
ب- تجريد المعلومات البصرية في رموز او صور يمكن تذكرها او التعبير عنها .
ج- التركيب او التنظيم (Structure or Organization) ويسمى في الفن التكوين.
من هنا تظهر اهمية العملية الرمزية في حياة الانسان منذ القدم ، فقد استعمل الاقدمون منهم السومريون والمصريون، ابجديات صورية، اذ يجب ان نوضح ان هناك بعض الرموز الاساسية التي يتعرف عليها الانسان بمجرد النظر اليها وبعضا منها يدل على دلالة واحدة او على معنى واحد ، وان تعددت اشكال الرموز ، فالدائرة كانت واحدة من الرموز المهمة للجنس البشري كله ذلك لان الدائرة او الكرة (المندالة Man dala) دائرة تطوق مربعاً وهي رمز الكون لدى الهندوس والبوذيين تعبر عن الوحدة الكلية بين الطبيعة البشرية والبيئية ، وفي الاديان البدائية والاديان المتقدمة تستخدم الدائرة رمزاً للكمال النهائي . كذلك فان شكل المستطيل يدل على الشموخ والوقار ، والشكل البيضوي برمز للانوثة والاجسام والتكوينات الثلاثية الابعاد وصولا للشكل واللون التي تعتبر من المدلولات العامة عند الشعوب تتجلى في التراث والفلكلور والاعلام والشعارات القبلية .
نفهم مما تقدم ان الرموز هي مدلولات تعبر عن تفكير الانسان واحاسيسه بمختلف الطرق شكلاً ولوناً وهي مستقاة من الطبيعة ، سخرها الانسان لتخدم حياته واغراضه بوصفها وسيلة للتفاهم ومظهراً من مظاهر العقل البشري . وهذا يطابق الوظائف الاربع للوعي الانساني كما عددها (يونغ) وهي : الفكر والشعور والحدس والاحساس.
وفي الفن يتم التعبير عن المشاعر والعواطف الانسانية خلال الرمز حيث تستخدم الالوان والاشكال لتنقل المعاني التي لا يمكن إيصالها باللغة الطبيعية اذ ان الرمز بحد ذاته عمل فني ينتقي مساره ونظمه من الطبيعة والحياة الانسانية .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون