تقارير عالمية
2017/02/08 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3689   -   العدد(3847)
عن أورهان باموك.. والثلج.. واسطنبول
عن أورهان باموك.. والثلج.. واسطنبول


ترجمة: احمد الزبيدي

تغطت قباب الجوامع الكبيرة في اسطنبول  باللون الأبيض.ولاحت المآذن المرتفعة في  أفق السماء ، من وراء ضباب رمادي وسط تساقط خفيف للثلج. عربات الشارع  تبيع الكستناء المحمصة، والترام القديم يشق طريقه ببطء، وتجمعت  قطط  الشوارع حول المدافئ في المقاهي – كل ذلك جعل المدينة تبدو وكأنها صورة قديمة  بالأبيض والأسود.

سقوط الثلج في اسطنبول كان على الدوام  يخلق جوا ساحرا ، في الاسابيع الاخيرة هبّت على المدينة عاصفة ثلجية  استمرت  لبضعة أيام – ارتفع فيها مستوى الثلج لأكثر من قدم واحد وهو أكبرتساقط للثلج منذ عام 2009 – وهذا بالضبط ما كانت المدينة في امسِّ الحاجة اليه . فالثلج كان بمثابة البلسم الشافي  لمشاعر الخوف والقلق المزمن الذي استولى على الناس   بعد  تصاعد الهجمات الإرهابية في المدينة، وحالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها  وعمليات التطهير الممنهجة للمجتمع المدني التي بدأت في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت صيف العام الماضي.
يقول الكاتب التركي  أورهان باموك، الحائز على جائزة نوبل ومؤلف رواية رائعة  كان من محاسن الصدف ان اسمها (ثلج) "ان كل هذه العوامل  امتزجت لتخلق شعورا بتعطل الحياة اليومية العادية"، و بسبب مصائب السياسة" "- فقد تم هذه المرة فصل  عشرات الآلاف من الأساتذة الجامعيين والناس العاديين من وظائفهم، وأودع في السجون اصدقاء لي من  الصحفيين والكتّاب – كان سقوط الثلج حتى لبضع دقائق فيه بعض من العزاء
في رواياته العديدة ، ابتكر السيد باموك البالغ من العمر، 64 عاما، لغة خاصة  باسطنبول، بجميع تعقيداتها، وأسرارها، ومناظرها الطبيعية. والشتاء عند هذا المقيم الدائم في اسطنبول  يرتبط الى حد بعيد  بأيام الشباب، وعندما سقط الثلج على اسطنبول مؤخرا، خرج الى الشارع، ليلتقط الصور، ويستعيد ذكريات طفولته في هذه المدينة الكبيرة.
ويتحدث عن  ذلك وهو جالس وسط  شقته يراقب من خلال احدى نوافذها منظر تساقط  الثلج عبر مضيق البوسفور  قائلاّ"رواية ثلج ترتبط الى حد بعيد مع   ذكريات الطفولة"،
في روايته "اسطنبول: الذكريات والمدينة"، يكتب قائلا: "من المستحيل بالنسبة لي أن أتخيل طفولتي دون هذا الغطاء من الثلج. فبينما كان بعض الأطفال ينتظرون بداية  عطلة الصيف ، كنت أنا انتظر سقوط الثلج – ليس بسبب انني سوف اخرج للعب بالثلج ، بل لأنه  كان  يجعل المدينة تبدو جديدة، ليس فقط عن طريق اخفائه  الوحل، والقذارة، والخرائب، والإهمال ، ولكنه  كان يُحدِث في كل شارع و منظر شيئا من الدهشة، وشعورا  لذيذا بان كارثة على وشك الحدوث ".
خلق سقوط الثلج متاعب متوقعة إلى المدينة ويكتب السيد باموك في روايته، "ولكن اسطنبول كانت دائما تضم اناسا سذجا يرحبون بتساقط الثلج   ، وكانه يحدث  لأول مرة."فقد  ألغيت مئات الرحلات الجوية وتوقفت خدمات العبارات التي تربط بين قارتي أوروبا وآسيا، ولم تعد الشوارع سالكة.
ولكن كان هناك الكثير  من الاشياء الممتعة الاخرى. صمتت رافعات  البناء التي لا تتوقف وتوقفت اصوات السيارات التي تصدح على الدوام. وبدأ  رجال الشرطة الذين عادة ما يكونون عابسين    يشاركون  المارة  في معارك رمي  كرات الثلج. وبدأ الأطفال، الخارجين  لتوهم من المدرسة، بالتزلج في الشوارع الضيقة.
كل هذا كان مدعاة   للشعور بانقطاع السبل، وتوقف حركة الزمن. وهذا هو السبب في الذي جعل سكان المدينة  يشعرون  بمتعة اكبر ، بعد ان اعتادوا على وتيرة انباء مضطربة وسيئة – وقوع هجمات ارهابية  الواحدة تلو الآخرى، وحدوث ازمات سياسية متتالية .
ولوهلة، بدا ان الناس قد نسيت  أن هناك قاتلا لا يزال طليقاً، حيث لم تتمكن الشرطة التركية بعد من القاء القبض  على المسلح الذي قام  بالهجوم على ملهى ليلي فجر اول ايام  العام الجديد وقد خلّف ذلك الهجوم عشرات القتلى.
تكتب ايلين سوكمين وهي روائية تركية قائلة"بدا سقوط الثلج في اسطنبول وكأنه المنقذ من الأحداث المروعة الأخيرة"، ،. "في الوقت الحاضر، اصبح مراقبة تساقط  كتل الثلج الخفيفة  يعطي شعورا بالامان من الأحداث المثيرة للقلق –لأولئك الذين حالفهم الحظ ليعيشوا في منزل دافئ - ، فيما لا يزال يعني النضال من أجل البقاء على قيد الحياة بالنسبة للبعض الآخر. والحصول على قسط من الراحة في  حياتنا يثير فينا مشاعر عميقة، تمتد الى ذكريات  الماضي، والبراءة التي كنا نعيشها، وتثير فينا مشاعر الحنين إلى الطفولة ".
وتضيف : على الرغم من "ان تساقط الثلج  لا يستمر وقتا كافيا  لسرد كل الاحداث المضطربة  التي شهدناها وعاشتها معنا  مدينتنا اسطنبول وبلادنا تركيا."
نعم، حتى في وسط الخير العميم الذي رافق  تساقط الثلج، كانت هناك مشاكل اخرى: الانخفاض المستمر في قيمة الليرة التركية، والنقاش في البرلمان حول توسيع صلاحيات الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يعتبره الكثيرون حاكما مستبدا.
ولكن كل ذلك لا يقارن  بمتعة  الناس وفرحهم بتساقط الثلج.
تقول احدى النساء التركيات التي تبلغ من العمر 52 عاما وتدعى صوفي : نأتي إلى هذه الحديقة في كل عام عندما يسقط الثلج، ودائما ما يكون منظراً  جميلاً  جداً "،
وتضيف صوفي التي تعمل معلمة   وهي  تلعب مع أولادها الذين عرفونا  للتو باسمها الأول فقط، لأنه لا يسمح لها كونها تعمل موظفة حكومية، التحدث إلى مراسل اجنبي ". "من الامور التي تجعلني سعيدة جدا هو اغلاق المدارس في أيام تساقط الثلج، لأن عملنا صعب جدا، خصوصا في المدارس الحكومية، كما ان  الأطفال يحصلون  على قسط من  الراحة."
في مدينة تتنازعها الانقسامات والاضطرابات، يُظهر الثلج الجانب اللطيف منها، فقد هب المسؤولون ورجال الاعمال  في المدينة لرعاية الآلاف من كلاب وقطط الشوارع والتي كثيرا ما  تعد مع المقاهي وبائعي التحف القديمة جزءاً لا يتجزأ من مظاهر التمدن فيها. و تداولت  وسائل التواصل  الاجتماعي بشكل واسع صور تظهر  مجموعة من  الكلاب  وهي تتغطى  بالبطانيات داخل مركز للتسوق.
وربما للمرة الأولى في حياتهم، تمكن عدد من الأطفال السوريين، من اللاجئين الذين يقدّر عددهم بمئات الآلاف من الفارين  من الحرب الأهلية و يعيشون حاليا   في اسطنبول،تمكنوا من ان يلعبوا بالثلج.
ويقول فاتح دمير (32 عاما) الذي يعمل مصورا "ما سأتذكره  من تساقط الثلج هذا العام هو منظر الأطفال السوريين الذي رأيته ، الذين ربما يشاهدون لأول مرة  في حياتهم  منظر تساقط الثلج وقد استغرقوا في الضحك جراء المتعة والإثارة". "ربما كانوا محظوظين بما يكفي  ليسكنوا في بيوت مع عوائلهم.
وحتى مع ما منحه  الثلج من  فترة راحة للناس،  لا يزال من  الواضح الى حدٍ ما مقدار تأثيره  في تغيير مزاج المدينة في الآونة الأخيرة، و في تواجد اعداد اقل من السياح.
"ويقول أحمد كوك (44 عاما) الذي يملك متجرا لبيع الأدوات المنزلية في جيهانغير، وهو حي عصري حيث يعيش العديد من المغتربين. الثلج ينظف كل شيء وفي الظاهر يبدو  جميلا جداً " ، ولكني عندما أنظر إلى وجوه الناس، أرى فيها الحزن".
وبرغم ان تساقط الثلج اعاق حياة الكثيرين لكن البعض ظل يمارس حياته العادية ،يقول مراد باك (35 عاما) الذي خرج كعادته  كل يوم اثنين  رغم تساقط الثلج بكثافة لصيد السمك عند جسر غلطة، الذي يربط بين اثنين من الاقسام الاوروبية الاربع للمدينة عبر خليج القرن الذهبي.والذي لم يكن معه  سوى عدد قليل من الصيادين
"اننا لا نشعر بالبرد عندما نصيد السمك"،. " المكان فارغ اليوم ليس بسبب تساقط الثلج ولكن بسبب خلو البحر من الاسماك منذ الأسبوع الماضي. لا بد أنها ذهبت إلى مياه أكثر دفئاً وأعمق ".
و بدأت المدينة تعود إلى حياتها العادية بعد العاصفة، التي تركت احساسا بالتجديد والانتعاش في المدينة، على الرغم من ان تقارير الاحوال الجوية اعلنت عن تساقط  المزيد من الثلج في الايام المقبلة.
يقول السيد باموك" اعتقد ان هذه العطلة والجلوس في البيت، التي خلقت هذا الاحساس بالحرية  والشعور بعدم اضطرارك للقيام بالتزاماتك اليومية  والتي امتزجت كلها بشكل كبير مع جمال المدينة    ، والصمت الذي  يغلفها"، " هذه الاشياء جميعا خلقت كل ذلك السحر.
 عن: النيو يورك تايمز



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون