سينما
2017/02/09 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2541   -   العدد(3848)
المس بيل أو "الخاتون" وتشكيل كيان العراق السياسي الحديث في ظل دعوات تقسيمه
المس بيل أو "الخاتون" وتشكيل كيان العراق السياسي الحديث في ظل دعوات تقسيمه


 لندن/ فيصل عبدالله

بعد ان شاع اسمه، عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وعلى مدى أكثـر من ربع قرن من الزمن بفعل أحداثة الدرامية، غدا العراق مصدراً للخبر الصحفي وصانعه بامتياز. ذلك ان أحداث ذلك البلد لم تتوقف يوماً، الى درجة ان أخباره باتت تنافس نشرات تقلبات الطقس والبورصات المالية. جيوش من كتّاب الصحافة والمعلقين والمحللين السياسيين والعسكريين، ومن مختلف الجنسيات، تراهم وتتابعهم وهم يتنابزون بتأويل وقراءة شريط المشهد العراقي الدامي.

لم لا وعراق اليوم لا يبخل على متابعي أحواله، بتقديم ما هو مخبوء في "صندوق عجائبه"، وبما يؤمن عناوين "خبر عاجل" الذي يظهر في أسفل شاشات التلفزة. إذ عرف العراقيون، ومعهم العالم، أفعال نظام صدام حسين المشينة، وعرفوا أيضاً عملية "عاصفة الصحراء"(1991) العسكرية،  و "أسلحة الدمار الشامل" و "الحصار الاقتصادي القاسي"، خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، وغزو عسكري اتخذ من "الصدمة والرعب" (2003) عنوانا له.
مآلات ما سبق تجاوزت التوقعات، وصار البلد المصدر للنفط أساساً، مصدراً للخبر الصحفي أيضاً مثله مثل بلدان مبتلاة بصراع الإرادات، كما هو الحال في القارة السوداء، وفي جعبة أمرائها المال والسلاح والإستقواء بالخارج. وبفعل تلك المآلات غدت صورة العراق، كبلد، ملتبسة على نفسه وعلى الآخر حين يتعلق الأمر بسؤال الهويات وخباثاتها والحدود وترسيماتها والأديان ومعاركها.
بالمقابل، ومع تصاعد الفورة التكنولوجية في وسائل الاتصال، وما أتاحته من ممكنات هائلة لجهة الصورة ونقلها عبر كاميرات رقمية ذات جودة عالية في صياغاتها الفنية. وجدت السينما بشكل عام، وعلى رأسها الأمريكية، خزيناً درامياً تبحث عنه في الحالة العراقية. دُبجت القصص والحكايا، أختلط فيها الواقعي بالمتخيل، وانتقلت الكاميرات لاقتناص دراما ساحات المعارك وجبهات القتال بما تستحضره من بطولات وانتصارات ورضات نفسية لجنود ضحوا بأنفسهم، من أجل ان يرى أبناء "علي بابا" النور في نهاية نفق عذاباتهم ومآسيهم في رحلة الخلاص الأبدية.
وعليه من الصعب تقديم جردة لما أنتج من أفلام، بين روائي طويل ووثائقي وتحقيق تلفزيوني، تناولت الشأن العراقي، أقله على مدى العقدين الماضيين. إلا ان الأكيد ان مجموع ما أنتج سينمائياً يفوق على ما أنتجته هوليوود عن حروب العم سام في كوريا وفيتنام بأضعاف، آخرها شريط التايواني، وحامل جائزة الأوسكار لأكثر من مرة، أنج لي "مسيرة بيلي لين الطويلة بين شوطي المباراة"، والذي ستبدأ عروضه الشعبية في المملكة المتحدة في 12 من الشهر الجاري..
بعيداً عن ما سبق، يأتي شريط "رسائل من بغداد" الوثائقي(120 د) لسابين كراينبهول وزيفا أويلباووم  بنكهة جديدة معتمداً الوثيقة التاريخية، الرسمية منها والشخصية في آن، ومعززا بشهادات من عاصر حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى وما ترتب عليها من نتائج لتقاسم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا. وليعيد سؤال ترسيم حدود العراق الجغرافية الى بدايته وتشكيل نظامه السياسي، أو ما عرف بالمملكة العراقية وتنصيب مليكه، مروراً بتنوع  ألوان مجتمعه.
ومثلما نتابع سيرة حياة الرحالة والكاتبة والمستكشفة والدبلوماسية والجاسوسة البريطانية غيرترود بيل، يأخذنا شريط الفيلم  للدور الخطير الذي لعبته آنذاك. سيرة مترعة، فهي صانعة الملوك، النسخة النسوية من "لورنس العرب"، ملكة الصحراء، المشرفة على تشكيل المجلس الأساسي للحكم في العراق، المستشارة لسفارة بلدها في بغداد، الخبيرة بشؤون العشائر العراقية، مؤسسة المتحف الوطني العراقي، الخاتون، "أم ناجي"، كما يحلو للعراقيين تسميتها، وما الى ذلك من ألقاب حصدتها خلال حياتها حتى وفاتها في بغداد في 12 تموز/ يوليو 1926 نتيجة جرعة دواء زائدة، ودفنت في مقبرة الأرمن في منطقة الباب الشرقي/الرصافة وبحضور الملك فيصل بن الحسين.
استعانت المخرجتان بـ 500 ساعة مصورة بالأبيض والأسود من قبل المس بيل، تذكرنا ببدايات السينما الصامتة. واطلعتا على أكثر من 1600 رسالة شخصية كتبتها بخطها، وآلاف الصور الموزعة على 25 مكتبة توثيقية حول العالم، وما هو مودع في مكتب وزارة المستعمرات والعائلة والأصدقاء. ولترسما من خلال هذه الثروة صورة بورتريه حميمي، كما يفعل الفنان بتأثيث لوحته، لتلك المرأة الاستثنائية بمقاييس زمنها، ولتعيد سؤال  حاضر العراق وتكوينه المجتمعي وحدوده الجغرافية وشكل حكمه. عودة أقرب الى عالم مختلف كلياً لما يعيشه العراق اليوم. واستغرق العمل على إنجازه أربع سنوات ليخرج بهذه الحلة.
يأخذنا الشريط الى نتائج ما أفرزته الحرب العالمية الأولى من نتائج جيوسياسية إثر إندحار الإمبراطورية العثمانية، وعبر تسلسل تاريخي لحياة مغامرة وجدت في الشرق فردوسها كما تبوح في احدى رسائلها. ومن خلال عائلة المس بيل، حيث نتعرف على والدها الصناعي الكبير لوثان بيل، وفقدان والدتها بعد ثلاث سنوات من ولادتها في عام 1868، ودخولها  جامعة أكسفورد لتحصل على شهادة في تاريخ الشرق الأوسط بامتياز عال، وقتها كان القسم الوحيد الذي يسمح بقبول الطالبات فيه.
وينتقل الشريط الى أهم رحلاتها الشرق أوسطية، طهران في عام 1892، حيث ترتبط بعلاقة حب قصيرة مع القنصل العام في سفارة بلدها هناك، إلا ان وفاته المبكرة شكلت لها الصدمة العاطفية الأولى، ولتنتقل الى دمشق في عام 1913مروراً بولاية الموصل. هذه التنقلات مثلت الفصل الأهم والأغنى من حياتها. إذ تكتب الى والدها رسالتها الأشهر بعنوان "أنا إنسانة"، ومنها تتسلسل الحكاية والفصل الجديد في حياتها. وفيه نتابع مطاردة العثمانيين لها باعتبارها "جاسوسة"، ولتنتهي في صحراء منطقة "حائل" بعيداً عن أعين العثمانيين. هذه التجربة زادت من معارفها وخبراتها بطباع سكان المنطقة وعاداتهم ولهجاتهم وردود أفعالهم "تجاه الغريب"، وفي ذات الوقت طرق المواصلات.
ورغم ان وزارة المستعمرات لم تأخذ برسائلها بشكل جاد، إلا ان موعدها مع التاريخ اقترن مع الحرب العالمية الأولى، ووصول قطعات الجيش البريطاني الى البصرة بقيادة الجنرال مود، لتتم الاستعانة بخبراتها بعشائر وطباع أهل المنطقة ولترافق تلك الوحدات الى بغداد. وقتها أُعتمدت المس بيل من قبل وزارة المستعمرات كمستشارة للمندوب السامي البريطاني السير بيرسي كوكس. ومثلما يمر الشريط على أهم تلك المفاصل وعبر الاستعانة بصور ارشيفية وفيديوهات صامتة، يتوقف عند مؤتمر القاهرة وحضور ونستون تشرشل له، حيث ألحت المس بيل بإشراك العراقيين فيه كما تقول أحدى رسائلها.
تولت الممثلة البريطانية والمتوجة بجائزة الأوسكار، مديرة الإنتاج، تيلدا سوينتون قراءة رسائل المس بيل، فيما أُسندت مهمة إداء من عاصروها في وزارة المستعمرات وأقرانها في العمل وبعض الشخصيات العراقية وزوجة السفير الأمريكي في بغداد آنذاك، والتي ارتبطت معها بعلاقة صداقة قوية، لممثلين محترفين. ما تقوله تلك الرسائل كبير، وكأنها تحاكي حاضر العراق في ظل تصاعد نغمة تقسيمه على أسس مذهبية وطائفية وإثنية. في أحدها تقول "تبقى ولاية الموصل ضمن حدود المملكة العراقية كونها تمثل الثقل العربي السني". وفي آخر "لا ينبغي فرض إرادة المحتل على بلد مثل العراق. كونكم لا تعرفون كيف ينظر أبناء البلد الى المحتل لأن بريطانيا لم تحتل من قبل". وثالثة "من الصعب فرض نموذج غربي على بلد متنوع الانتماءات ومحكوم بقوة التقاليد". بل من الأفضل رعاية تجربة الحكم ودعمها والعمل على تطويرها". وأخرى "العراق محكوم بثلاثة مكونات أساسية يجب خلق تفاهم بينها على أسس سياسية وقانونية عادلة". لذا اتهمت من قبل مرؤوسيها بعبارة "صارت من أبناء البلد" والتي هي في حقيقتها شتيمة حسب القاموس الإنكليزي، كونها أحبت العراق وشعبه الى درجة إعتبارها بلدها الذي صاغت لبنات بنائه الأولى.
تكمن أهمية شريط "رسائل بغداد" بكونه مساهمة سينمائية جادة تعتمد التاريخ ووقائعه بحرفية المحب للشخصية المركزية، وعلى عكس معالجة شريط "ملكة الصحراء" للمخرج فرنر هيرتزوغ، وبطولة النجمة نيكول كيدمان، والمقتبس من كتاب جورجينا هوول، الباهتة. هنا نتابع سيرة أمينة لمس بيل، وفي معالجة سينمائية حذقة، تقتفي دورها المحوري في صياغة أسس مملكة العراق او ما عرف "بلاد الرافدين" وقتها، وبما يحسب لصناع الشريط و شركة "مابين النهرين" المنتجة لهذا العمل المهم والخطير في توقيته.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون