المزيد...
تحقيقات
2017/02/12 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2327   -   العدد(3850)
عمالُها يعانون شظف العيش والأمراض..غلاء حصة النفط الأسود والاستيراد العشوائي يقتلان معامل الطابوق
عمالُها يعانون شظف العيش والأمراض..غلاء حصة النفط الأسود والاستيراد العشوائي يقتلان معامل الطابوق


 تحقيق / قصي الطيب

رمال تجترها أيدٍ معدمة لترمّم بها صروح الحاجة، وأعمدة دخان منبعثة من فوهات كور عمودية، تنفثها غازات مصاحبة، مُشكّلةً سحباً داكنةً تغطي سماء مدينة عجوز تشكو قسوة الحياة، ونساء وأطفال وصبية، بعضهم لم يبلغ الحلم، تلفح وجوههم لظى حارقة، طلباً للعيش. معامل طابوق النهروان، وحكايا حبيسة أدراج موبوءة، تطلُّ برأسها في كل حين، عبر نافذة الاستغاثة علّها تجد مُغيثاً.


توقف (40 %) من معامل الطابوق
على مدار الساعة، يحرص عمال تلك المعامل من كلا الجنسين، على ارتداء ملابس طويلة، وأحذية بلاستيكية لتجنب قسوة الأرض، واتقاء لهيب كوَر الطابوق، لكن الأمر الأكثر مدعاة للألم والدهشة، انك تصادف أطفالاً ينقلون أثقال الطابوق من مكان لآخر وهم (حفاة) بواسطة عربات بدائية تجرها الدواب، وجلّهم يتلفعون بخرق من القماش لتغطية وجوههم، خشية تسلل الدخان وتجنباً لما يحمله من سموم تفتك بهم، لكن موخراً وبسبب ارتفاع سعر النفط الأسود،  المادة الرئيسة التي تدخل في صناعة الطابوق، تم تسريح الكثير منهم، لعجز أصحاب المعامل عن تغطية نفقاتهم.  (300) معمل أو تنقص قليلاً، والمئات من الأيدي العاملة، تتوسط أراضي جرداء، أصحابها يشكون توقف (40%) منها في عموم العراق بسبب انهيار أسعار المنتج مقابل ارتفاع سعر النفط الأسود وباقي النفقات التي يتحملونها، وتوقف معظم المشاريع الحكومية بسبب الأزمة المالية التي تمر بها البلاد التي انعكست سلباً على مجمل المفاصل والقطاعات الاقتصادية.  

خذلان حكومي وإهمال المنتج الوطني
أبو أنور العكيلي ،صاحب أحد معامل الطابوق في منطقة النهروان، تحدث لـ(المدى) عما يعانيه وأغلب اصحاب المعامل من ارتفاع سعر مادة النفط الأسود، قائلاً: نمرُّ بمرحلة كساد كبيرة في منتجاتنا بسبب خذلان وزارة النفط لنا رغم احتجاجاتنا المتواصلة. مردفا: إلا أن القائمين في الحكومة صمّوا آذانهم ولم يكترثوا لمناشداتنا. متسائلاً : شراء الصهريج الناقل للمواد النفطية من وزارة النفط، سعة (30) ألف لتر، بثلاثة ملايين دينار وقد تصل لأربعة ملايين في بعض الأحيان إذا ما أضيفت أجور النقل والخزن.
واسترسل العكيلي: تزامناً مع الظروف المالية الصعبة التي تعصف بالبلاد، وعزوف الكثير من المواطنين عن شراء الطابوق، لم يعد بإمكاننا الاستمرار بهذا الوضع الصعب جداً وفق هذه الأسعار كونها لا تسد كلف الانتاج. متابعاً: مما اضطر أصحاب المعامل في النهروان إلى غلق (65 %) منها كونها لم تعد تسد تكاليف الانتاج، لذا تم تسريح مئات العمال كوننا عاجزين عن تغطية نفقاتهم. وأتهم بعض القائمين على هذا الملف، بتعمّد تثبيت هذا السعر لضرب المنتج الوطني، بغية الاتجاه نحو الاستيراد الخارجي، مطالباً الحكومة، بضرورة أن "تخفض هذه الأسعار إلى (50%)، لكي نحافظ على ديمومة المنتج الوطني واستقرار الأسعار.

تسريح مئات العمال وقانون العمل
لم يذهب المواطن محمد جبر بعيداً عما ذهب إليه العكيلي حيث اوضح لـ(المدى): كل معمل طابوق يضم أكثر (150) عاملاً أو أكثر، تم تسريحهم بسبب عدم استجابة المعنيين في وزارة النفط لمطالبنا، وتوقف المعامل عن الإنتاج  فاقم من ارتفاع أسعار الطابوق. لافتاً الى: تجاهل الجهات المعنية مناشداتهم بشأن توفير مادة النفط الأسود بأسعار مناسبة. منوهاً الى: ضرورة دعم هذه المعامل التي يمكن ان تشكل رافداً مهماً للاقتصاد الوطني.
اما كاظم الشويلي ،رئيس عمال احد المعامل، فقد بيّن لـ(المدى) ان تسريح العمال تسبب بقطع أرزاق عشرات العوائل، منوهاً الى: ان اغلب اصحاب المعامل ضربوا تعليمات قانون العمل عرض الحائط. مشيرا الى: ان سياسية وزارة النفط وحجبها حصة النفط الاسود عن المعامل كانا من اهم اسباب توقف انتاج الطابوق وبالتالي تسريح العمال دون وجه حق. داعيا الى: تحديث قانون العمل والضمان الاجتماعي كي يحفظ حقوق العمال.

معامل وهميّة تتسلّم الحصص النفطية الحكومية
وبشأن المشاكل وحلولها وكيفية الاستفادة من المنتوج الوطني، اوضح الخبير الاقتصادي باسم انطون لـ(المدى): هناك جملة من المشاكل تحتاج إلى حلول عملية ولا يقتصر الأمر على وزارة النفط وزيادة الأسعار فحسب، فالاستيراد الخارجي وغياب المتابعة إضافة إلى التنافس التجاري والبحث عن بدائل متطورة، أسباب تقتضي معالجتها بأسرع وقت، مستدركاً: هناك خطة بناء (3) ملايين وحدة سكنية في البلاد، ولا يمكن الاعتماد على ما هو موجود لدينا من معامل مع هذا الكم الهائل من المعرقلات والإخفاقات التي تواجهها، كونها دون مستوى الطموح، بسبب بدائية العمل واعتماده حرق الوقود في صناعة الطابوق، وما تمثله من تلوث ومشكلات على المستويين البشري والبيئي. كاشفاً عن: معامل وهمية تقوم بتسلم الحصص النفطية الحكومية على حساب المثبتة فعلياً.
واستطرد انطون بحديثه : ما زالت تلك المعامل تعتمد الطرق البدائية عوضاً عن أجهزة الحرق عن طريق الغاز على سبيل المثال، أو استخدام الطاقة الكهربائية لإنتاج الطابوق، لتقليل التلوث الذي أضر كثيراً بالأراضي الزراعية المستصلحة. مردفا: ناهيك عن الأضرار البشرية بسبب اعتماد الطرق القديمة البالية، وتسريح الآلاف من العمال، وحتى هذه اللحظة، لم يُبذل الاهتمام المطلوب بهذه المعامل، وعلى الحكومة أن تعمد إلى جذب استثمارات كبيرة لتطوير هذه الملف، وضبط الحدود وتقنين عملية الاستيراد.        

ظروف معيشية بائسة
في هذه المعامل المعفّرة بالتراب والدخان، تعيش الأسر العاملة في أماكن سكن لا تتعدى الأربعة أمتار بالطول والعرض، بدون فراش وفير يريح جنباتهم بعد نهار عمل شاق، لابتعادها عن المدينة بضعة كيلومترات، فهي معزولة تماماً. الحياة هناك تسير وفق نمط انعزالي جداً، فتجد انعدام الأماكن الصحية  كالحمامات أو التواليتات، والأمر مقتصر على غرف صغيرة جداً هنا وهناك، مغطاة بقطع قماش بالية بالكاد تغطي شيئاً منها. يقول مزهر محمد (40 عاماً)، أحد ساكني بيوت المعامل: نزحت مع عائلتي من محافظة الرمادي بعد أن تم تهجيري من قبل عناصر (داعش)، فلم أجد أمامي غير التوجه إلى العاصمة بغداد، لإيجاد مأوى لي ولعائلتي المكونة من أربعة أطفال، متابعاً: استعنت بصديق لي يعمل هنا - في إشارة إلى معامل الطابوق – ونصحني بالمجيء وللعمل أيضاً، بنيت لي غرفة صغيرة، وعملت أجيراً في احد المعامل، لأكون بقرب عائلتي. مضيفا هنا لا نجد ابسط مقومات الحياة، الأطفال لا يذهبون إلى المدارس، ولا وجود للمراكز الصحية، والماء غير صالح للشرب، حيث ينقل بواسطة سيارات حوضية من أماكن غير معلومة، مما يصيب بالكثير بالأمراض الجلدية والمعوية، إضافة إلى تلوث الهواء، وخطورة العمل.
يشاطره القول جاره احمد الساعدي، مؤكداً: ظروف الحياة أجبرتنا على تحمل كل هذه الصعاب، وتجرّع مرارتها، الكثير هنا في مواجهة الموت، بسبب التلوث من انبعاث الدخان من كور الطابوق، أو التعرض لحوادث نتيجة العمل بهذه المعامل، موضحا: قبل أيام قليلة، توفي شاب في مقتبل العمر إثر انهيار جدار من الطابوق فوق رأسه حيث أصيب بنزيف داخلي فارق على إثره الحياة.   

أمراض في الجهاز التنفسي وصعوبة العمل
صعوبة العيش في بلد تلعب به الأزمات السياسية والأمنية اجبرت الكثير من العوائل على تشغيل ابنائهم الصغار والنساء في اعمال تعد خطيرة. حسن راهي يعمل وعائلته باحد المعامل التي توشك ان تغلق ابوابها بسبب كساد الانتاج بيّن حيرته من الآن فكيف سيتدبر شؤون معيشة العائلة خاصة انه لايجيد اي عمل اخر. منوها الى: اصابة اغلب افراد عائلته التي تعمل وتسكن في نفس الوقت في معمل الطابوق بامراض في الجهاز التنفسي.
اما قاسم الفهدواي الذي يعمل هو الآخر وعائلته باستثناء زوجته فقد بيّن استياءه من الحال ومحاربة الحكومة لهم بأرزاقهم مثلما ذكر. مشيرا الى: ان تقليل حصة المعامل من النفط الاسود وفتح الحدود للاستيراد سيؤديان الى موت صناعة الطابوق الوطنية. مؤكدا على: ضرورة تذليل العقبات امامها وليس زيادتها كما يحصل الان.
في حين شكت العاملة أم زهراء فقدان فرص العمل اذ تم غلق ما تبقى من المعامل. موضحة: ان الكثير من النساء العاملات في معامل الطابوق يسدنّ رمق اطفالهن من عملهن الصعب حسب وصفها. مستدركة: لكن ليس امامنا غير ذلك.

طرق بدائية وأساليب منهكة
جلّ هذه المعامل تابعة للقطاع الخاص، ويندر إذا كانت هنالك معامل تابعة للقطاع الحكومي. فمنذ سنوات خلت، تم بيعها للمواطنين، ومع الوقت، تنامت هذه المعامل واتسعت رقعتها لتشمل أجزاء كبيرة وفي مواقع مختلفة، إلا أنها لم تلجأ إلى التكنولوجيا المتطورة وبقيت معتمدة على طرق بدائية كوسيلة أسرع للإثراء، فهي تستخدم عمل الأسر، إضافة إلى الحمير كواسطة نقل مهمة عوضاً عن سيارات الحمل. يقول فراس الوائلي، عامل سابق في أحد المعامل لـ(المدى): فيما مضى كان العمل مستمراً ومضنياً على مدار الساعة، قبل غلق الكثير من المعامل أبوابها، وبالنسبة لي - والكلام للوائلي- أحنُّ إلى تلك الأيام رغم قساوتها، تخيّل أنه في درجة حرارة مرتفعة جداً في موسم الصيف، يتحتم علينا مواجهة لهيب كور الطابوق، لذا نرتدي ملابس وقفازات بلاستيكية لاتقائها، وأحياناً تذوب أحذيتنا البلاستيكية التي نرتديها من شدة الحر، والكثير من العمال تعرضوا للحرق رغم الحذر الشديد من النيران المستعرة.

صناعة الطابوق الموسمية
 وأضاف الوائلي: ان وتيرة العمل في موسم الصيف أكثر فعالية منها من موسم الأمطار وأيام الشتاء، ولكل موسم تدابيره، ففي فصل الشتاء نعتمد عملية "الربطة" وهي عبارة عن حزم كبيرة من "اللبن" المادة الأولى والأساسية في صناعة الطابوق، ثم تتم تغطيتها بشكل محكم بقطع من النايلون على شكل صف متناسق يصل لمسافة  (200) متر، وأخيراً يأتي دور سائق الشفل، ومهمته إلقاء كمية كبيرة  من التراب فوق "الربطة" لحماية "اللبن" من البلل. مستطرداً، بعدها يتم خزنها ومن ثم الاستفادة منها حين حلول موسم الصيف.
اما أمجد محمد، فقد اكمل ما بدأه (فراس الوائلي) في سرد خطوات صناعة الطابوق: في موسم الصيف الأمر مختلف تماماً،  فبعد إكمال مادة (اللبن) يتم نقلها بواسطة ماكنة خاصة وإدخالها إلى (الخانة) أو (الطاك) وهو حائط مبني بشكل هندسي مقوّس، وفي أسفله فتحتان، يتم إضرام النار من خلالهما لتلامس (اللبن) وتستمر هذه العملية ليومين أو ثلاثة أيام، لحين اكتمال شكل الطابوقة نهائياً، متابعا: هنا يتم هدم الحائط (الطاك) ثم يترك لمدة لثلاثة أيام ليبرد،  وليتسنى لنا استخراجه، ويتفاوت عدد الخانات بين معمل وآخر حسب الحاجة، فهناك 10 خانات في كلا الجانبين، و12 خانة وقد تصل إلى 15 خانة في بعض المعامل تتوزع بشكل متناسق، وفي كل خانة 6 عمال، ثلاثة منهم (خلفات) والثلاثة الآخرون مساعدون.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون