تشكيل وعمارة
2017/03/11 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2227   -   العدد(3873)
بناية وزارة المالية.. المقاربة التعبيرية للعمارة
بناية وزارة المالية.. المقاربة التعبيرية للعمارة


د. خالد السلطاني

يمتلك المنجز المعماري الحداثي العراقي أصواتاً مهنية إبداعية، أغنت بمنجزها المهم المشهد المعماري المحلي، وأثرته بإضافات اسلوبية ومفاهيمية عديدة، جاعلة منه حدثاً ذا أهمية لافتة في المنتج المعماري العربي والإقليمي. والمعمار "قحطان المدفعي" (1927)، يمتلك صوتاً واضحاً ضمن تلك الأصوات المبدعة. انه صوت "يسمع" من مسافة، بيد أنه، ايضاً،  صوت متفرد، عامل من المقاربة "التعبيرية" للعمارة تمثيلاً لذلك الصوت الخاص وعنواناً لاجتهاده التصميمي، ما وسم منتجه المعماري بطابع متفرد، ميّزه عن منتج اقرانه من المعماريين الروّاد.
 
في هذا العام (2017)، سيبلغ المعمار العراقي الرائد "قحطان المدفعي" <التسعين> من عمره المديد. ونأمل بأن الأوساط المهنية والأكاديمية، ستوظف هذه المناسبة لمزيد من القاء الضوء على منتج هذا المعمار المجتهد والمتعدد الاهتمامات، هو الذي اثرى بمقاربته المعمارية المتميزة، منتج العمارة العراقية، ومنحها تنويعات اسلوبية مبدعة. من ناحيتي، سأدعو لتكريس عام (2017)، ليكون <عام قحطان المدفعي>، وسأسعى مع زملاء آخرين، الى توظيف هذا الحدث، للاحتفاء بمنجز العمارة العراقية الحداثية عامة، وبمنجز "قحطان المدفعي" على وجه الخصوص. والمقالة التي انشرها اليوم، هي من ضمن مقالات آخرى مكرّسة لهذه المناسبة البارزة: "تسعينية قحطان المدفعي". مناشداً جميع المهتمين وأصدقاء المعمار الرائد لجعل هذا الحدث المميز، منصة للاحتفاء بعمارة قحطان المدفعي، والتذكير بأهمية ما اجترحه من اسهامات بهيّة ونافعة وحقيقية للثقافة، مضفياً تنوعاً وافراً لتمثلات عمارتنا ومغنياً بيئتنا المبنية المحلية.
وقبل الحديث عن عمارة وزارة المالية، التي صمّمها قحطان  المدفعي (1978)، موضوع هذه الحلقة من "عمارة... عمارة"، أود أن اشير، ولو باختصار، الى طبيعة مقاربته المعمارية وخصوصيتها، التي أجدها حاضرة، مثلما هي واضحة في نتاجه المعماري. واعتقد، بأن ثمّة خيطاً رفيعاً يمكن للمتلقي يلحظه، يربط غالبية التصاميم التي اجترحها المعمار "المدفعي"، وهذا الخيط هو تمثيل للمفهوم التعبيري. و"التعبيرية" Expressionism ، كما يدلل اسمها، تهتم كثيراً في تقصي وإيجاد اشكال فنية ساطعة وغير عادية، تكون عادة مشوبة بالانفعال والتأثير وقوة "التعبير". وقد ظهر هذا التيار في عمارة الحداثة، كما هو معروف، في الثلاثينات، كإحدى تجليات الحداثة المعمارية، جنباً الى جنب "الوظيفية". وكما اشرت في كتابي "مئة عام من عمارة الحداثة"، الصادر بدمشق 2009، فقد "... ايقن كثر من انصار "التيار التعبيري"، بأن نتاجهم يتجاوب على قدر كبير مع طبيعة العصر الجديد ورحه الصناعية. ولذلك فإنهم وظّفوا الوسائل التقنية العصرية لبلوغ أهدافهم مركزين على "نحتية" الكتل المصممة ومزاوجتها بأشكال ذات خطوط حادة ورهيفة، ودائماً غير متوقعة! وقد وجد التعبيريون في الخرسانة المسلحة إمكانات هائلة لخلق تكوينات معبرة ودينامية. وبات استعمال الاشكال المدورة والتغاضي المتعمد عن التقسيمات المعتمدة على الزوايا القائمة، بمنزلة الهاجس التصميمي الأساس للتيار التعبيري وعلامته المميزة". (ص. 84).
في عام 1978 ينهي قحطان المدفعي، تصاميمه لمبنى "وزارة المالية" في منطقة الوزيرية ببغداد والذي نفّذ في وقت لاحق. يتكون المبنى من برجين مزدوجين بارتفاع 14 طابقاً، يتصلان مع بعضهما بجسور خرسانية  معلقة وموقعة على ارتفاعات مختلفة. ويشابه القرار التصميمي الخاص في معالجة الواجهة الامامية (الخارجية) للبرج الواحد مثيله الآخر فيما تتشابه ايضا طريقة معالجة الواجهتين الخلفيتين (الداخليتين). وإذ جاءت معالجة الأخيرتين وكأنها تحصيل حاصل لمنظومة ترتيب الفراغات الداخلية، المتشكلة من سطح مستوٍ بفتحات ذات ايقاع متماثل لنوافذ الفضاءات المكتبية، أتى اسلوب معالجة الواجهتين الأماميتين على قدر كبير من الرهافة التعبيرية المتسم على تغييرات دائمة ناجمة عن تنوع حركة التشكل الواجهاتي. ومنبع هذه الحركة هو الأسلوب المتفرد لتشكيلات وضعية القطع الخرسانية الثابتة لمنظومة كاسرات الشمس "اللوفرات" Louvers  والمغطية لكل سطوح الواجهة. لكن المعمار ومن اجل خلق مشاهد بصرية متنوعة، لجأ الى تغيير متعاقب ومتدرج لفورم ومساحة المسقط الافقي لجميع طوابق المبنى. وهذا التغيير يتحقق جراء  تثبيت نقطة بارزة في منتصف واجهة الطابق هي في الواقع رأس مثلث، يمتد منها ضلعان يقل طولهما كلما ارتفعنا الى الأعلى، على المستوى الافقي، اما في المستوى العمودي، فإن موقع هذه النقطة "ينحسر" نحو الداخل، كلما ارتفعنا نحو الأعلى. . ويعمل الفرق في طول الضلعين على انشاء منطقة بسطح مستوي في اطراف الواجهة تزداد مساحتها كلما ارتفعنا نحو الاعلى؛ اي كلما قصر الضلعان المنطلقان من النقطة  البارزة الوسطية لرأس المثلث .
وفي النتيجة فإن وضع اعمدة " الكاسرات " بارتفاع طابق واحد في سطوح الواجهة وبزوايا مختلفة خلق تغييرات متنوعة لتلك الواجهة التى يمكن رصد  تشكيلاتها المتعددة  كلما رفعنا  بصرنا نحوها أو كلما تحركنا حول المبنى. بمعنى آخر، ثمة حركة بصرية تكتسبها واجهة المبنى، خالقة  "منظوراً" جديداً لها، كلما تحركنا، أو "حركنا" بصرنا باتجاهها. وبهذه المعالجة الفريدة فإن المعمار ينضم الى قلة من المصممين الذين حاولوا كسر حدّة  الهيئة العادية  للمبنى المتعدد الطوابق، المتجسد "بصفيحة"  هندسية منتظمة متوازية الاضلاع والتي ابتدعها يوماً ما  لوكوربوزيه، وحظي  نموذجها التصميمي على تكرارات متعددة ، اوصل هندسيتها الصافية، لاحقاً‘  "ميس فان  ير روّ"  الى منتهاها  في مبناه " سيغرام بيلدينغ "بنيويورك (1958). من هنا، من النأي بعيداً عن جاهزية الشكل المعماري ومالوفيته. يتعين تقييم محاولة قحطان المدفعي التصميمية المميزة هذه في مبنى وزارة المالية، كإحدى المحاولات الجادة في الاشتغال على ثيمة الابتعاد عن الشكل الصفائحي الملازم للمبنى المتعدد الطوابق.  انها، في اعتقادنا، تتساوق بأهميتها في هذا المقام مع اجواء مداخلة "جيو بونتي" التصميمة بمبناه " بيرلي تاور" (1956) في ميلانو (والتي أعاد تأثيراتها التصميمية في مبناه البغدادي: وزارة الاعمار سابقاً (1957) <وزارة التخطيط لاحقاً>. وعمل " فالتر غروبيوس" في "بان امريكان" (1963)  بنيويورك، وكثير من اعمال "لويس كان" الاخيرة المتعاطية مع  تلك الموضوعة، وكلها محاولات جريئة تتطلع  الى  ابتداع تصورات جديدة عن "فورم" المبنى المتعدد الطوابق الذي اضحت هيئته عادية وجاهزة ومكررة . ولد "د. قحطان حسن فهمي المدفعي" عام 1927 ببغداد، وانهى تعليمه المعماري بسنة  1952 في كارديف/ المملكة المتحدة،. عاد بعد تخرجه مباشرة الى العراق، ليمارس مهنته المعمارية، مؤسساً لاحقاً، مكتب "دار العمارة"، مثرياً البيئة المبنية المحلية بتصاميم عديدة، اعتبر بعضها محطات مهمة في مسار عمارة الحداثة بالعراق. صمم دور موظفي مصفى الدورة (1952)، ودور شركة المنصور (1955)، وجامع ست نفيسة بالكرخ (1954)، وجناح العراق في معرض دمشق الدولي (1957، وفي 1958)، ومصرف الرهون ببغداد (1957) <بالاشتراك مع عبد الله احسان كامل>، ومبنى السامرائي بالقرب من سوق الصدرية (1958)، كما صمّم حديقة الجوادين بالكاظمية (1959)، وحدائق الاوبرا 1962-65)، ومبنى متحف التاريخ الطبيعي (1971-76)، وجامع بنية بالكرخ (1965-75)، ووزارة المالية (1978)، والكثير من المشاريع الاخرى. نعرف، أيضاً،  بأن المدفعي " متورط " بالحداثة، كمبدع له حضوره المميّز في نتاج اجناس ابداعية اخرى غير المعمارية، فهو رسام جيد، وشاعر غير عادي، ومثقف رفيع الثقافة، واكاديمي كفء، ومحدّث لبق،  ودائم الدأب في الحصول على المعرفة (وليس من دون مغزى، انهماكه في الدراسة مجدداً، ومن ثم نيله، عام 1984 من مدرسته المعمارية الأولى، شهادة الدكتوراه بالعمارة، بعد 32 عاماً من تأهيله المهني الاول!).
* المقال مكرّس "لتسعينية" المعمار



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون