المزيد...
آراء وافكار
2017/03/20 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 977   -   العدد(3881)
امكانات إلحاق الهزيمة بداعش: الواقع والمرتجى
امكانات إلحاق الهزيمة بداعش: الواقع والمرتجى


 د. فالح الحمراني*

يُشير كل تاريخ الإرهاب الى أن منظماته تتحول كالحرباء من شكل الى آخر، ومن تشكيلة الى اخرى، وان أساليبه تختلف من مرحلة الى اخرى وفق التطورات على الساحة الدولية والإقليمية، فالارهاب فكر وعقيدة من جهة ومن جهة اخرى كما تؤكد لنا معطيات استخباراتية متنوعة، وسيلة تلجأ لها بعض القوى لتمرير خططها ومواقفها من هذا المشكل أو ذاك.ان ما يسمى وفق التعبير الشائع في الشارع العربي والتقطته المنابر الدولية والاعلامية بـ " داعش" ليست استثناءً عن ذلك، وان الحرب معها ستكون طويلة وذات اشكال متعددة.
ولم يتجاوز وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ، الدبلوماسي المشهود له بالنظرة بعيدة المدى الحقيقة عندما قال : ان إلحاق الهزيمة بداعش في سوريا والعراق لن يحل مسألة اجتثاث الارهاب، وان المواجهة العقائدية (الايديولوجية) مع هذه المنظمة وانصارها سوف تستمر. وبرأي لافروف ان داعش تختلف عن الجماعات الارهابية الاخرى كونها اعلنت ان هدفها هو ببساطة ليس فقط إلحاق الضرر بكل من تصنفه "كافرا" سواء كان من الاديان الاخرى او في داخل الاسلام، وانما اقامة دولة. وان غياب التحالف الدولي الحق عطّل من إلحاق الهزيمة بها. ان تحقيق النصر الكامل على داعش لن يحل المشاكل التي يعاني منها الجزء الأعظم من الشرق الاوسط. فداعش  ليست بالمشكلة الاساسية، انها كانت دائما نتاج لانعدام التوازنات في المجتمعات والحكومات والاغتراب بينهما. والاحتمال الاكثر واقعية ان الدولة الاسلامية ستنشط من جديد كجماعة سرية حينما ستفقد جزء من المناطق التي تسيطر عليها، ولا سيما بعد سيطرة القوات المناوئة لها على الموصل في العراق والرقة في سوريا . وهذا ليس بالجديد. فداعش والجماعات الارهابية التي نشأت منها نشطت بهذا الاسلوب في العراق بعد اسقاط نظام صدام حسين. والفاجعة تكمن في ان الوضع الحالي اسوأ بكثير عما كان عليه. وتتوارد الانباء عن انشطة الدولة الاسلامية السرية في المناطق التي اعلن عن تحريرها بالعراق وانها توسع نفوذها من خلال الخلايا النائمة لأنصارها. وشهدت على ذلك الاعمال الارهابية في كركوك والرطبة وسنجار وحتى في بغداد. وحاولت داعش في سوريا اعادة السيطرة على تدمر وآثارها التاريخية الفريدة من نوعها والحاق المزيد من الضرر فيها.
واضافة لذلك فان  مجسات " اخطبوط الارهاب" تمتد اكثر في العالم وتطول اهدافا جديدة، عبر " مواقعه". ان نفوذ داعش واسع، بيد انه ليس على نمط واحد، ولديها كما يتضح من مختلف التقارير الاستخبارية والتحليلية، فروع او منظمات تابعة في القفقاز وليبيا ونيجيريا (من خلال بوكو حرام) وفي اليمن وافغانستان وبعض الدول العربية. وسيتضح فيما ستحافظ هذه المنظمات المحلية على وجودها، فقط بعد هزيمة الدولة الاسلامية في سوريا والعراق. في غضون ذلك يتأمل المحللون والخبراء فيما اذا  سيمكن العودة الى الاوضاع التي كانت قائمة قبل بسط داعش سيطرتها على اجزاء كبيرة من العراق وسوريا؟. وثمة اجماع على ان إلحاق الهزيمة بالدولة الاسلامية لن يكون عملية تطهير يسود بعدها السلام، وقد تكون تلك الهزيمة عاملا مساعدا اضافيا على تطورات مثيرة للقلق.
والسؤال الذي يطرح نفسه بمشروعية تامة يدورعما اذا ستعود المناطق التي تسيطر عليها داعش لسيادة اصحابها الشرعيين اي العراق وسوريا. وفي هذه الحالة ينبغي التفريق بدقة بين الحالة العراقية والوضع السوري. فالمعروف ان الهجوم على داعش في العراق اصبح ممكنا فقط بعدما بلغت القوى السياسية الشيعية والكرد والسنَّة اجماعا داخليا واتفقت على اولوية شن الحرب ضدها، والأكثر من هذا على من سيدير هذه المناطق. والصورة في سوريا تختلف حيث لم يوجد اتفاق جماعي لكافة القوى السياسية. فالنظام السوري يدفع بكل قواه لمحاربة التشكيلات المسلحة للمعارضة التي تهدد وجوده، بينما وضع الحرب مع داعش في المرتبة الثانية. وتحارب اليوم بشكل جدي مع داعش فقط  " قوى سوريا الديمقراطية" وهي تحالف تترأسه  "وحدات الدفاع الذاتي" الكردية ويضم ميليشيات كردية وعربية وسريانية وأرمنية وتركمانية تشكلت باشراف ودعم وتمويل امريكي بما في ذلك بالسلاح.   ان الطريق نحو اجتثاث داعش وانشطتها الوحشية وتداعيات ما قامت به في العراق وسوريا ومناطق نفوذها سيكون طويلا وشاقا في نفس الوقت، ويستدعي بالدرجة الاولى اتفاق اللاعبيين الاساسيين روسيا وامريكا والعراق وايران والسعودية... في مواجهتها بالتوصل الى تفاهمات وتنسيق للجهود ووضع حد للحرب الباردة بينهم، والتخلي عن الأهداف الخاصة ببسط النفوذ وسعي بعضهم لتفتيت الشرق الاوسط لتسهيل هيمنته على دوله. فضلا عن ذلك ينبغي القيام بعمل عقائدي واسع لمحاربة الفكر التكفيري والطائفي والعودة الى قيم الاسلام السمحة. وبغيره فان أفعى داعش ستبقى حيّة لفترة طويلة أخرى.

   *كاتب من العراق يقيم في موسكو



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون