تقارير عالمية
2017/05/17 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2296   -   العدد(3925)
ماركس وفهمنا لمعنى الحريّة في عالمنا المعاصر
ماركس وفهمنا لمعنى الحريّة في عالمنا المعاصر


ترجمة: المدى

صدر مؤخراً كتاب يتناول النظريتين السياسية والاقتصادية لكارل ماركس، عنوان الكتاب هو (ماركس وجحيم دانتي... النظرية السياسية لرأس المال) مؤلف الكتاب ويليام كلير روبرتس وهو استاذ العلوم السياسية في جامعة مكغيل وهي جامعة حكومية بحثية دولية موجودة في مدينة مونتريال، والتي تقع في مقاطعة كيبك ذات الأغلبية الفرنسية. تحمل اسم جيمس مكغيل، الذي كان تاجرا بارزا في مونتريال من اسكتلندا، والتي شكلت وصيته بداية الجامعة  على مر السنين.


موقع (.truthout) استغل فرصة حلول ذكرى ميلاد كارل ماركس في الخامس من ايار ليجري مقابلة مع ويليام كلير روبرتس مؤلف الكتاب ليستعرض معه جملة من القضايا التي عرضها في كتابه حول افكار كارل ماركس، على مدى  السنين الماضية  وخاصة بعد الأزمة المالية العالمية الاخيرة التي حدثت في أواخر عام 2007، تجدد الاهتمام بمؤلفات  كارل ماركس. فلا تزال اعمال ماركس ضرورية لفهم النظام  الرأسمالي، ولكن مشروعه السياسي لا يزال ينتج تفسيرات متضاربة. ما الذي حفز ماركس حقاً على إجراء دراسة ضخمة لقوانين النمط الرأسمالي للإنتاج؟ هل كان ماركس مهتماً بتحقيق الحرية أم لمجرد تحقيق المساواة؟ وهل لدى رؤية ماركس للشيوعية أية علاقة "بالاشتراكية التي قامت فعلاً" (أي الأنظمة الاشتراكية للاتحاد السوفياتي السابق والكتلة الشرقية)؟
كتاب  البروفيسور ويليام كلير روبرتس الاخير، يقدم تفسيرا دقيقا وفريدا من نوعه لمشروع ماركس السياسي والفلسفي. ويكشف الكتاب عن السبب الذي يجعل ماركس لا يزال مهماً للغاية في وقتنا الحاضر لجميع الذين يسعون إلى تحدي سيطرة الرأسمالية والعنف - من استغلال القوة العاملة إلى استخدام أجهزة القمع المفرطة  كما يتجلى في الممارسات الوحشية لأجهزة الشرطة. تحدثنا مع ويليام كلير روبرتس حول مشروع ماركس ورؤيته للشيوعية.
* في كتابك الذي نشر مؤخراً، تؤكد أن الحرية، وليست  المساواة، كانت هي الشاغل  السياسي و الفلسفي الأساسي لماركس، ثم ادعيت أن عمله وخطابه ينتميان إلى المفهوم الجمهوري للفكر السياسي. هل یمكنك التحدث بشيء من التفصیل عن هذه المزاعم  وتخبرنا  كیف استنتجتها  من قراءتك  لأعمال ماركس؟
- أود أن اختلف معك  قليلاً. كان ماركس مهتماً بالتأكيد بالمساواة. كما هو حال جميع  اليساريين. ولكن السؤال هو: المساواة بماذا؟ من هنا ينبثق مفهوم الحرية. وفي كتابي، أجادل بأن ماركس شارك في المشروع الجمهوري الراديكالي لضمان الحرية المتساوية للجميع. عندما نتحدث عن المساواة في اليسار اليوم، غالباً ما يعتقد  أن هذا يعني المساواة في الثروة المادية أو المساواة في المعاملة، مما يعني أن المساواة الاقتصادية هي الهدف في حد ذاته. ولكن بالنسبة لماركس، لم يكن التفاوت الاقتصادي هو المشكلة الرئيسة. كان ذلك نتيجة وأرضاً خصبة للسيطرة. وكان هذا هو القلق الرئيس لماركس.
أن يهيمن عليك معناه  أن تخضع لأهواء أو نزوات  الآخرين، ليست لديك سيطرة على كل ما تملك، حياتك، أفعالك، جسمك. وقد اعترف الجمهوريون، الذين عاشوا  إيام الجمهورية الرومانية، بأن هذا الافتقار إلى السيطرة على كيفية تعامل الآخرين معك هو، في حد ذاته، لا يناسب تطور الانسان وتفتحه. [وفقاً لفلسفتهم]، وسواء فيما اذا  كان القوي يضر بك أم لا هو في الواقع أمر أقل أهمية من حقيقة أن لديهم القدرة على إيذاءك، وانت لا تملك  السيطرة على ما اذا كانوا سيستخدمون تلك القوة أم لا أو كيف سيستخدمونها . وفي هذا المجال من عدم اليقين والخوف تقوم السلطة  بعملها. لذلك، وعلى سبيل المثال، فإن صاحب العمل يمكن أن يطرد العامل متى ما أراد وهذا عادة ما يكون كافياً لضمان طاعة العامل، وخاصة عندما لا يكون للعامل العديد من مصادر الدخل البديلة. وبالمثل، فإن للشرطة القوة التي لا تخضع للرقابة على نحو أساس لإلقاء القبض على الناس وضربهم ومضايقتهم في العديد من الأحياء والاماكن، وتنتج لنا كل أشكال التشوهات في طريقة عيش الناس، بغض النظر عما إذا كانوا قد تعرضوا للضرب أو التحرش فعلاً. العيش بحرية  هو العيش من دون هذا الخوف أو الحذر من هذه القوة. وهذا يعني أن يعيش الجميع على قدم المساواة.
تقليدياً، كان الجمهوريون يهتمون فقط بحماية حرية فئة معينة من الرجال داخل مجتمعهم السياسي. ومع ذلك، في القرن التاسع عشر، تخلص العمال والنساء من العبودية – حيث كان الناس يعيشون تحت الهيمنة - وبدأوا في تبني هذه النظرية الجمهورية للحرية والإصرار على أن يتمتع الجميع بحرية متساوية. قرأت ماركس كجزء من هذا السياق.كان الابتكار الرئيس لماركس في هذا السياق  هو تطوير نظرية الاقتصاد الرأسمالي كنظام هيمنة. الراديكاليون آنذاك - مثل العديد من المتطرفين اليوم - فهموا رأس المال كشكل من أشكال السلطة السابقة - العسكرية، الإقطاعية، أو الابتزاز. ورأوا الرأسمالي ببساطة كمحتكر، والحكومة هي اداة حماية وتنفيذ بيد  المحتكرين. بالنسبة  لماركس، لم يكن هذا التشخيص النقدي كافياً. الرأسماليون، مثل العمال، يعتمدون على السوق. وعليهم أن يتصرفوا بحذق والا سوف يستبدلون برأسماليين آخرين أكثر فعالية. رأى ماركس في هذا الاعتماد على السوق نوعاً جديداً من الهيمنة الاجتماعية الشاملة. وتعتمد سبل العيش لكل فرد على القرارات التي لا يمكن التنبؤ بها والتي لا يمكن السيطرة عليها من جانب كثيرين آخرين. هذه الهيمنة غير الشخصية تتغير وتتحول الى أشكال أخرى من الهيمنة لم يعرفها الناس من قبل.
* واحدة من الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام من كتابك، على الأقل بالنسبة لي، هو تحليلك استخدام ماركس وفهمه لعملية الاستغلال. ومن الواضح، كما أشرتم، أن ماركس كان مهتماً باستغلال القوة العاملة، وليس بالاستغلال كسمة اجتماعية عامة. ما هي الأهمية السياسية لهذا، وما هو تفسيرك للاتجاه العام السائد في اوساط المحللين المتطرفين للنظام  الرأسمالي  في تخليهم عن استخدام تعبيرات مثل "القيمة الفائضة" و "النضال الطبقي"؟
- وهذا تطوير محدد للنقطة السابقة. ولأن الهيمنة غير الشخصية للسوق تتخلل الجوانب الأخرى للإنتاج الرأسمالي، فإن الاستغلال الرأسمالي يختلف تماماً عن أشكال الاستغلال الأخرى. وكما يشير ماركس في كتابه رأس المال، لم يخترع الرأسماليون استغلال العمالة الفائضة. ولكن، في الماضي، كان أولئك الذين يتمتعون بثمار عمل الآخرين يفعلون ذلك عن طريق الابتزاز والسرقة والإكراه. ومن ثم فإن الاستغلال كان استنزاف الإنتاج؛ وهو إنتاج مثبط. أما الإنتاج الرأسمالي، من ناحية أخرى، فهو يحفز العمالة والإنتاج كما لم يفعل أي شيء آخر ذلك في أي وقت مضى. إن استغلال القوة العاملة - عبارة ماركس الفنية للاستغلال الرأسمالي - فعّال جداً، وفي الواقع، أن العمل الاضافي متوطن في الاقتصادات الرأسمالية.واعتبر ماركس أن العمال الذين ينتظمون لمكافحة العمل الزائد يمثلون أحد أهم وأقوى الدوافع لتطوير وتحويل الإنتاج الرأسمالي. وقال إن الكفاح ضد العمل الاضافي، وارتفاع الأجور، كان حافزا أساسيا يدفع الرأسماليين إلى إدخال تكنولوجيات إنتاج جديدة. ويؤدي التصنيع والمكننة بدورهما إلى إثارة تكتل المنتجين الرأسماليين، مما يزيد من كتلة العمال وتركيز رأس المال. هذه المعارك توحد العمال، وتعطيهم الخبرة السياسية. كل هذا، كما جادل ماركس، يهيئ العمال لكسب المعركة في يوم من الأيام، والاستعاضة عن الإنتاج الرأسمالي تماماً.
هذا الفهم للروابط بين الاستغلال، والصراع الطبقي، والتنمية الرأسمالية، والسياسة الثورية قد رفض إلى حد كبير بين الراديكاليين. أنا مهتم جداً بتاريخ تراجع هذه النظرية، وذلك جزئياً لأنني أعتقد أن النظرية قد ادخل عليها الكثير من التشويه  ليس  من العديد من منتقديها – بل حتى من النقاد المتعاطفين جداً معها -.وقد حرفت الانتقادات التي وجهت لنظرية القيمة عند ماركس الانتباه عن الملاحظات الأساسية التي تكمن وراء حساب ماركس للاستغلال الرأسمالي. وخلافاً للمواد وتقنيات الإنتاج، التي توفر مدخلات موضوعية يمكن التنبؤ بها في عملية الإنتاج، يجب أن يدفع العمال إلى العمل، ومقدار العمل الذي يقدمونه هو الأمر الذي يتطلب إدارة وسيطرة مستمرتين. إن اهتمام ماركس بمكان العمل كموقع للسيطرة  والتحفيز على النشاط هو أمر ذو صلة بالموضوع.
أما السبب الرئيس الآخر الذي جعل تحليل ماركس لا يروق للمحللين المتطرفين هو أن الصلة بين الصراع الطبقي والسياسة الثورية يبدو أنها منعدمة. فمن ناحية، بدا أن الطبقة العاملة الصناعية تدمج في الرأسمالية بحصولها على الحق في الانتخاب، وعلى أجور أعلى من خلال النقابات، و على الضمان الاجتماعي في شكل دولة الرفاهية.و من ناحية أخرى، يبدو أن مكان الانتفاضات والثورات سيكون بين الطلاب، وفلاحي العالم المستعَمر، والشعوب المضطهدة التي تقاتل من أجل التحرر الوطني.
ولكن أياً من هذه التطورات لا يقوض في الواقع حجة ماركس، التي تؤكد على  أن فقط أولئك الذين يعتمدون على الأجور اللازمة لبقائهم احياء - وهي فئة تفوق بكثير العمال الصناعيين - لديهم مصلحة في التحرر العالمي. ولكل من يهيمن عليه أو يضطهده مصلحة في تحرير جماعته. لكن ماركس اعتقد أن الأجور جعلت الناس يعتمدون على بعضهم البعض ويعتمدون على الإنتاج المتقدم تكنولوجيا إلى حد أن العمال بأجر لا يمكنهم تحرير أنفسهم - حتى على المستوى الوطني – الا بتحرير الجميع في كل مكان. في اللحظة التي تركت فيها الشعبوية اليسارية - سواء كانت لساندرز أو كوربين أو ميلانشون - مضطرة إلى تعزيز الحدود الوطنية، ينبغي إعادة النظر في حجة ماركس.
* نقد ماركس للاقتصاد الرأسمالي والمجتمع، كما تجادل في كتابك، تأثر بالصور الشعرية لدانتي. هل هذه هي استعارة سياسية، أم أنها جاءت ببساطة كدليل على أهميته الأدبية؟
- أنا أحذر من التمييز المبسط جداً بين الأدبي والسياسي. انا اعتقد أن ماركس أعاد كتابة جحيم دانتي، ، لأن خيال دانتي الأخلاقي كان متأصلاً عميقاً في اللغة العامية لحركة العمال. الجوانب الأدبية لرأس المال - هيكله، استعاراته، صوره - هو جزء لا يتجزأ من مهمته السياسية: إعادة تشكيل اللغة النظرية والسياسية لحركة العمال. بالنسبة لنا اليوم، قد يبدو مجرد عمل أدبي، ولكن ذلك لأن الخطاب الأخلاقي المسيحي - الأرسطي لم يعد جزءاً من العامية لدينا الآن كما كان عليه الحال في أوروبا في القرن التاسع عشر.
مبدئياً، أعتقد أن لدانتي دورا حاسما في تشكل الحجة السياسية لماركس لأن كتابه الجحيم يقدم السمات الأساسية للأخطاء التي تشكل حجة ماركس في كتابه رأس المال . فالمجتمع الرأسمالي ينبثق من  السيطرة والعنف والاحتيال والغدر. هذه هي عناصر كتاب دانتي. وما قام به ماركس هو انه اعاد تشكيلها وأعاد تعريفها، وربطها بالاقتصاد السياسي، وحولها إلى نظرية اجتماعية نقدية. لا تحتاج لدانتي لتفهم أن النظرية الاجتماعية النقدية قد اكتملت، ولكن رؤية دانتي فيها يساعد في الكشف عن نشأتها وهيكلها.
 عن: موقع تروث اوت



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون