آراء وافكار
2017/11/14 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1800   -   العدد(4062)
هل توافق شهرزاد على تعديل قانون الأحوال الشخصية ؟
هل توافق شهرزاد على تعديل قانون الأحوال الشخصية ؟


 علي مرزوك الجنابي

قيل لرجل كيف رأيت بغداد؟ قال: الأرض كأنها بادية، وبغداد حاضرتها...
تحمل بغداد أشهر عمل أدبي عربي (ألف ليلة وليلة)، على شاطئ نهر دجلة، وتحديداً في شارع أبي نؤاس الشهير، وصنع هذا النصب المهيب، العراقي البغدادي الراحل "محمد غني حكمت"، هذا العمل الأدبي الذي يقدم رسالة مباشرة ويرسم صورة ذهنية لمكانة المرأة، لكل من يمر بجانبه، تقول بأن تلك المرأة الشموخ، هي بؤرة العمل ومركزه وأينما جلت بنظرك فستكون مفتوناً بها وبما تقول.
لكن هل مشرع قانون الأحوال الشخصية الجديد نظر إلى هذا النصب؟
والى وقفة شهرزاد؟
هل قرأ عنه ؟ وعن تأريخه؟
وفهم رسالة شهرزاد، ورسالة النصب بصورة عامة، ولماذا يقبع هذا النصب في بغداد؟
وهل سأل نفسه بأن شهرزاد توافق على قانون الأحوال الشخصية الجديد؟
هل أخذ بالاعتبار الصورة الذهنية التي رسمها هذا النصب عند المرأة العراقية والمثقف العربي؟
الى المشرّع العراقي، التمس منك أن تعطي للعراق دقائق وتأخذ سرب السيارات المظللة المصفحة المبردة، مع جوق الحماية، وتجلس امام هذا النصب الذي يعبر عن أشهر عمل ادبي عربي (ألف ليلة وليلة)، وتسترخي قليلاً، ستجد (شهرزاد واقفة، لا جالسة أو راكعة بين يدي الملك شهريار، بل إنها ترفع يدها صوب الأعلى، لكنها تمتلك خطاباً سلطوياً لا حكاية بسيطة تهدد بها الملك شهريار، الذي افنى قبلها مئات البغداديات، وفقاً لـ (الليالي)، في اتكائه واضطجاعه، يبدو شهريار أدنى الى الارتخاء، إذ تنزل احدى قدميه من المنصّة الرخامية الحمراء، إشارة الى عرشه الملوث، ربما بدماء الفتيات الضحيات. ودقق في النظر ستجد أن شهرياراً، يصغي إليها ويعطيها مطلق الحرية بالتعبير عن رأيها).
بالمناسبة هذا النصب، قيل إن النحات حطم النسخة الأولى من تمثال الملك (شهريار)، اذ لم يعجبه، ولعل مرد ذلك إن الرسالة التي أراد النحات ايصالها ما كانت لتصل لو احتفظ بالنسخة الاولى، وأنت يا مشرّع لم تفهم حتى النسخة الثانية!
الى من صوّت لهذا القانون منهم السياسيون الإسلاميون، ومشرعي قانون الأحوال الشخصية الجديد:
هل تريدون اثابة العراق الى القرون الوسطى؟
هل تعلمون انكم بذلك ترتكبون جريمة بحَظَّ المرأة العراقية والطفلة، والمواطن العراقي غير المسلم؟
أهو تخلف، أم متاجرة بالدين، أم حقد على العراق!!!
لم تراعوا حقوق الانسان وبهذا القانون تماديتم في إذلال النساء وتعنيفهن، لكن اين حرية المرأة، هل هي شعارات فقط دون تنفيذ ؟
الموبقة الكبرى، هل لإنسان عاقل ينتسب لهذا العصر أن يغبط لشعبه مثل هذا القانون؟
وأنتِ يا شهرزاد هل مستعدة لتزويج طفلتك البريئة ذات الثماني سنوات والثمانية أشهر والثلاثة أسابيع، والمساوي سن التكليف للبنت، والبالغ تسع سنوات قمرية؟ أو حتى بعمر 12 أو 13 سنة قمرية؟ هل انتِ مستعدة أنّ تزوّجي طفلتك التي ما زالت تبكي من أجل دميتها؟ هل تحبي أن يُستمتع جنسياً بطفلة بريئة؟
كيف توفقون بين هذا القانون وبين توقيع العراق على اتفاقية حقوق الطفولة وحماية الأسرة؟ لكن كيف توفقون بين هذا القانون ونصوص الدستور العراقي ومنها "تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة"، "تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع"، "تكفل الدولة للفرد وللأسرة وبخاصة الطفل والمرأة الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة "؟
هذا القانون ينتمي الى عصور غابرة، ومشرّعه يحنُّ للجاهلية، ودستورنا يمهّد للمشرّع أن يعمل على صياغة مثل هذه القوانين، حيث إن المادة الثانية تنص في أولاً "لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام"، وكم جاهدتم وأصريتم يا اعضاء لجنة صياغة الدستور، من أجل ألا تضاف كلمة "احكام"، وكم جاهد المدنيون الشرفاء في العراق على عدم حذف "المجمع عليها"، الواردة في قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية، ولكم بجشعكم أصررتم على اضافة "احكام" أي فقه الفقهاء ورفع (المجمع عليها) لإلغاء فتاوى التنويريين المواكبين لروح العصر من الفقهاء القلّة، لتكون العبارة كما أردتموها "لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الاسلام المجمع عليها" وكأنكم كنتم تتربصون بتشريع مثل هذه القوانين التي سبق وأن ذكرت تحنُّ للجاهلية.
وأهملتم كل المواثيق الدولية الملزم العراق بها، مما يتعارض معها هذا القانون، كما اعتقد معروفة للجميع، ومنها المادة (41) من الدستور العراقي لعام 2005 تنص على "العراقيين احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون" فكان قانونكم هذا؟!، تريدون إحالة قضايا الأحوال الشخصية الى المؤسسة الدينية والى الفقهاء والمفتين، والشعب يريد دولة ديمقراطية مدنية؟ أين دور القانون المدني إذاً؟.
اضافة الى ذلك لا يجوز تشريع قانون أحوال شخصية (يشرّع من مذهب أو طائفة أو دين معين) لعموم مجتمع تعددي، لا يجوز أن نستند في هذا التشريع إلى آراء الفقهاء أو ما ترتبه المذاهب الدينية الاسلامية، وأن لا نخالف العقد الاجتماعي (الدستور) ولا نخالف المواثيق والمعاهدات الدولية، وإن لا نخرب هيكل البناء الاجتماعي العراقي، وسمعة العراق، والاراء الفقهية التي تمثل ديناً معيناً لا يمكنها أن تبني دولة مدنية ديمقراطية ولا تحقق غايات شعبها، وتذكروا إن الديمقراطية كفكر هي (غربية) وليست من بنيات افكار الدين الذي تنادون به!.
ورسالة أخيرة الى المرأة العراقية... لا تسمحي لهذا القانون أن يقتل شهرزاد في داخلك، فشهرزاد لا ترضى أن تُقتل طفلة بزواج القاصرات.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون