سينما
2017/11/16 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1822   -   العدد(4064)
تعالوا معًا..  فيلم يرصد القلق، ويدرس فن العلاقة الاجتماعية
تعالوا معًا.. فيلم يرصد القلق، ويدرس فن العلاقة الاجتماعية


لندن: عدنان حسين أحمد

قبل أن نخوض في تفاصيل فيلم"تعالوا معًا"للمخرج الكوري الجنوبي  شين دونغ إيل لابد لنا من تقديم فكرة خاطفة عن الثيمات التي يحبِّذ المُخرج التعاطي معها في أفلامه الروائية الطويلة. فهو شغوف بمفهوم العلاقات العاطفية والاجتماعية، ويحاول جهد إمكانه أن يفلسف طبيعة هذه العلاقة سواء أكانت روحية أم جسدية، مستديمة أم عابرة، ولابد من ظهور طرف ثالث ليكتمل مثلث"الزوج، الزوجة، والعشيق". 

يركز"إيل"على ثيمة الهجرة إلى كوريا الجنوبية، ويرصد حجم المعاناة المروعة التي يعاني منها المهاجر الأجنبي من البلدان الفقيرة التي تحيط بكوريا الجنوبية كما في فيلم"صديقة"الذي يتمحور على علاقة حُب بين عامل بنغلاديشي مهاجر وطالبة كورية في المرحلة الثانوية من الدراسة، والصعوبات الكبيرة التي تعترض هذه العلاقة العاطفية التي يُفترَض أن تتسامى على الأعراق والقوميات والأديان. ثمة موضوعات مُفضّلة لديه مثل الصراع الطبقي، والخلاص، والتكفير وما إلى ذلك. أما فيلم"تعالوا معًا"، مَناط هذه الدراسة، فهو يتعاطى مع ثيمات عديدة أبرزها القلق، والسعي للنجاح في العمل، واللهاث وراء السعادة، وممارسة الحب خارج إطار العلاقة الزوجية، والحرية الشخصية للفتاة التي تريد أن تسكن لوحدها بعيدًا عن تأثيرات الوالدين وتوجيهاتهم.
تنتمي الأسرة في فيلم"تعالوا معًا"إلى الطبقة الوسطى في المجتمع الكوري الجنوبي حيث يعمل الأب في شركة منذ 18 عامًا لكنه فجأة يجد نفسه مطرودًا من العمل لأن الشركات الرأسمالية تبحث عن موظفين شباب ولا تجد ضيرًا في أن تتخلى عن موظفيها الكبار سنًّا حتى وإن كانوا يؤدون واجباتهم بشكل جيد الأمر الذي يضعنا فيه المخرج أمام ثيمة إشكالية جديدة مفادها"التمييز ضدّ كبار السن"فالشركات تبحث دائمًا عن موظفين حيويين أقوياء فلاغرابة أن يجد بوم كو"ليم هيونغ غوك"نفسه عاطلاً عن العمل يرتب المناشف، ويسخّن الأطعمة الجاهزة، ويعبث بالنباتات المنزلية، ويبدد معظم وقته في مشاهدة البرامج التلفازية. ونتيجة لتواجده المستمر في البيت تتضاعف مشاكله مع زوجته التي تحثه على ضرورة إيجاد عمل آخر، كما تزداد متابعته لابنته التي تخرج مع صديقاتها، وتجد لها عملاً في إحدى محلات الإكسسوارات النسائية.
يتشارك أفراد العائلة ثلاثتهم بنسب متوازية من القلق، فالأب العاطل عن العمل يشعر بالإهانة، ويتحسس من أي ملحوظة تبديها الزوجة، ولا تجد البنت هان- نا"تشي بِن"حرجًا في التذمر منه أو الشكوى من متابعته المتواصلة لها.
تتصاعد الأحداث دراميًا عند الشخصيات الثلاث، فالأم مِي يونغ"لي هاي أون"التي تبيع بطاقات الائتمان وتحاول أن تحقق أعلى نسبة مبيعات لمؤسستها تخفق في بعض المواقف حينما تأخذ منها موظفة أخرى زبونًا، وقد صادف أن تكون هذه الموظفة ثرية ولعلها لا تحتاج إلى راتبها الشهري في الأقل ولكنها تجد نفسها في العمل الذي تؤديه بغض النظر عن طبيعته. ثم تتراكم اخفاقات مِي يونغ وحينما يوبخها المدير غير مرة تقرر هي الأخرى أن تتخلى عن وظيفتها لتضع العائلة برمتها أمام موقف لا تُحسَد عليه، فمن الذي يتحمل تكاليف الطعام والشراب؟ ومن الذي سيدفع الفواتير الشهرية؟
على الرغم من وجود الأب في المنزل إلاّ أنه لم يتخلص من إزعاجات جاره الذي يسكن في الطابق الذي فوقه مباشرة ويحدث أصواتًا غريبة تؤرقه، وحينما يصعد إليه تتطور العلاقة بينهما، ويصبحان صديقين يخرجان معًا إلى الحانات الليلية وعندما يعود ثملاً إلى المنزل يحطم النباتات الظلية، ويلقي الأطعمة المحفوظة في الثلاجة في حاوية النفايات بحجة تلفها، ويظل يقظًا منتظرًا عودة ابنته الوحيدة"هان - نا"من الديسكو الليلي فيصفعها ليصل التوتر إلى ذروته ويدخلا في شجار عنيف لا تتورع فيه من شتمه.
يتصالح الأب مع ابنته وزوجته لأنهم جميعًا اقتنعوا بأن السعادة لا تتحقق عن طريق تسلّق السلّم الاجتماعي وإنما باتباع القناعات الشخصية، فمهما بذل الإنسان من جهود مضنية فإنه لن يحصل على أكثر من رزقه ونصيبه المقدّر له. فالأب الذي عمل بإخلاص لمدة 18 عامًا وجد نفسه عاطلاً عن العمل من دون إِشعار، والأم التي كانت تكدح ليل نهار قد قطعت بيدها باج العمل ورفضت بطاقة السفر إلى دولة أخرى كمكافأة لها بعد أن ماتت منافِستها الوحيدة في حادث سير مروع لتحل هي محلها. والبنت كانت تنتظر نتيجة القبول في الجامعة الكورية للسنة الثانية قد نجحت لكنها انهمكت في أمور حياتية أخرى، وودعت صديقتها التي رحلت إلى أميركا، وقد قررت الانتقال من شقة أبويها كي تعيش لوحدها، وتؤكد ذاتها بعيدًا عن سطوة الوالدين.
خرج الثلاثة يتنزهون بعد أن فقدوا وظائفهم لكنهم ظلوا يدردشون باسترخاء، فما إن يُغلق أحد الأبواب حتى تنفتح أبوابًا أخرى. في تلك اللحظة المسترخية بالذات يوافق الأب على انتقال ابنته في إشارة واضحة إلى حقها في حرية العيش والسكن كما يروق لها. وبينما هم يتنزهون تمطر السماء مدرارًا فيركضون جميعًا لكنهم يستسلمون في خاتمة المطاف للبلل ويتمددون على الطريق بينما كانت زخات المطر تغسل وجوههم وأجسادهم وكأنها تطّهرهم من دنس بعض المفاهيم الاجتماعية التي أسَرتْهم على مدى سنوات طوالا.
ربما يستشف المُشاهد من خلال ثيمة الفيلم أن المخرج وكاتب النص"هان جي سو"لا يحثّان الزوجين على العمل، وأنهما يضعان ثقتهما في الأقدار الغامضة التي ترسم مصائر الناس، ذلك لأن المخرج أراد لشخصياته جميعًا أن تكون عادية جدًا مثل أناس محلتهم أو الحي الذي يسكنون فيه، شخصيات بسيطة، متواضعة تقع في مآزق متعددة لكنها تبذل قصارى جهدها كي تجد حلاً لمعضلاتها الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية مهما كانت كبيرة أو صغيرة، وهذا هو بالضبط ما يفعله الإنسان العادي الذي يجد نفسه متورطًا في المحن والأزمات التي تفاجئه على حين غرّة.
لابد من الإشارة في خاتمة المقال إلى أن المُخرج شين دونغ إيل من مواليد سيئول عام 1968. درس أول الأمر اللغة الألمانية والأدب ثم سرعان ما انتقل لدراسة الإخراج في الأكاديمية الكورية للفنون السينمائية. أنجز"إيل"عددًا من الأفلام الروائية والقصيرة نذكر منها"صديقي وزوجته"،"لوكنت مكاني"و"المضيّف والضيف"و"تعالوا معًا"الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان تانت للقارات الثلاث. كما فاز فيلم"صديقي وزوجته"بجائزة أفضل مُخرج جديد في مهرجان سياتل السينمائي الدولي عام 2006. ومن المتوقع أن يحصل فيلم"تعالوا معًا"على العديد الجوائز في المهرجانات السينمائية العديدة التي يشارك فيها خصوصًا وأن أداء الشخصيات الرئيسة الثلاث مبهر جدًا، كما أن الرؤية الإخراجية عميقة مدروسة وتتوفر على جماليات متعددة في معالجة الأفكار والموضوعات الحساسة التي يعاني منها المجتمع الكوري الجنوبي على وجه التحديد.
حري بنا أن نشير أيضًا إلى أن هذا الفيلم قد عُرض مُؤخرًا ضمن برناج"السينما الآن"في الدورة الثانية عشرة لمهرجان الفيلم الكوري بلندن إلى جانب خمسة أفلام روائية مهمة أبرزها"محاربو الفجر"لجونغ يون شول، و"مدينة الجريمة"لكانغ يونغ سونغ، و"بين الفصول"للمُخرج لي دونغ أون. وقد شهدت الصالات السينمائية المخصصة لهذا المهرجان حضورًا كثيفًا على مدى أسبوعين كاملين قبل أن تنتقل أفلام المهرجان برمتها إلى خمسة مدن بريطانية وهي شَفيلد، ومانجستر، ونوتنغهام، وغلاسكو، وبلفاست.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون