الاعمدة
2017/12/04 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 252   -   العدد(4079)
تلويحة المدى
في آليات خطاب وسائط التواصُل الاجتماعيّ العربية
شاكر لعيبي




ليس نادراً أن تكون العدائية، الصريحة والمُضْمرة، هي قاعدة السجال والتعليق في وسائط التواصُل الاجتماعيّ العربية، انطلاقاً من مبدأ سيئ الاستخدام لحرية التعبير. التقليل من شأن المُخاطَب انطلاقاً من مبدأ سيئ الاستخدام: المساواة والتساوي بين جميع البشر. وأحياناً انطلاقاً من الاستخفاف والسخرية، الواضحة أو المبطّنة، من الآخر انطلاقاً من مبدأ نجهله حتى اليوم.
بعضنا لا يوافق على فكرة أن آليات التواصُل في "السوشيال ميديا" العربية، هي من طبيعة التواصُل (العامة)، الثقافية والاجتماعية واليومية في الحياة العربية. سوى فارق واحد: عدم التواجُه شخصياً في السويشيال ميديا يمنح البعض نزقاً (وهي كلمة مؤدّبة) لا نشهده في تواصلات الحياة المباشرة. في الحياة العامة بعضنا أكثر أدباً وتأدُّباً وفروسية وحضارية وتواضُعاً. الشاشة وحش، أو تسمح للوحش القابع أمامها وحيداً، في عزلة أحياناً، بالإعلان عن صورته المرعبة. بعضنا، وللتبعيض دائماً دلالة.
إذا كان هناك بعض الخفة في استخدام الكلام في السويشيال ميديا العربية، فلأن الثقة بالكلام لم تعد مثلما كانت، كما أن السكوت لم يعد مقنعاً. ولأن الكلام الذي نطالعه يومياً أسهل ظاهرياً من الممارسات الإبداعية الأخرى كالرسم والنحت والحفر وغيرها، فهو لا يستدعي جهداً مشابهاً حتى لجهد الكلام بشأن الرسم والنحت والحفر وغيرها. ثمة جوهرياً بعض الاستخفاف بـ (عملية الكلام).
إن الطبيعية التصفُّحيّة (تُقاس سرعتها أحياناً بسرعة الضوء عند بعضهم) هي القاعدة الذهبية في السويشيال ميديا، وهي لا تسمح للمتلقي بأن يتطلّع مليّاً في لوحة، صورة، "عمل بصريّ" أيّاً كانت طبيعته البصرية. عمل بصريّ يُفترض بأنه لا يمتلك الإثارة الكافية، إذنْ لا حصة له في عملية التلقي. لكن ما هي طبيعة هذه الإثارة؟في الفرنسية الفعل تَصفَّحَ هو (feuilleter وبالإنكليزية leaf أو flip) والفعل يعني يجوب أو يجول Parcourir في كتاب أو مخطوطة عن طريق تقليب الصفحات. والفعل Parcourir (وبالإنكليزية Browse) نفسه قد يعني يقرأ على عجل.يبدو أن آليات الخطاب في وسائط التواصُل الاجتماعيّ العربية يلزمها مصطلحات خاصة بها، ونقترح مفهوم (التصفُّحيّة feuilletisme) منها. والمصطلح لا وجود له في المعاجم العربية والفرنسية.
الظاهرة التصفحية نفسها حاضرة غالباً عند تلقي عمل فنيّ، في متحف أو غاليري أو قاعات درس الفنون الجميلة، على أساس أن المرئيّ بطبيعته مفهوم ولا يحتاج الكثير من التأمُّل.المقروء في وسائط التواصُل الاجتماعيّ العربية هو من طبيعة الكتب الأكثر قراءة في العالم العربي، وهي معروفة إذا أبعدنا عنها ما يُروّج له الناشرون لأسباب تسويقية (الرويات مؤخراً). في تحقيق مصري لخّص الكاتب طبيعة الكتب الأكثر قراءة في معارض مصر كالتالي: القصص "الرومانسية ، والروائية، والقصيرة، والدرامية، والمثيرة".
هذه القصص - إذا توسَّعنا بمفهوم القصص - هي ذاتها الرائجة في وسائط التواصُل الاجتماعيّ العربية.
لكن هل يليق خطاب (الثقافة) التي هي ذات طبيعة مُركّبة، بوسائط ذات مستوى واحد، معلوماتيّ؟ هل تحتمل السويشيال ميديا، ضمن الفهم العربيّ لها بصفتها فسحة للراحة والتنفيس والفرحة والتفريغ النفسانيّ والتعليق الخاطف و(القفشة)، مفهوم الثقافة المُعقّد، المهموم بالتدقيق والمساءلة، والمزعج؟
هذا هو التناقُض الجوهريّ، حسب رأيي، إذا ما فُهمتْ دلالة مفهوم (السويشيال ميديا) بصفتها تشارُكاً بالمعلومات على أوسع نطاق. المشكلة الحقيقة هي المعنى الممنوح لمفهومي (المشاركة) - أو التفاعلية- ودلالة (المعلومة) في ثقافتنا.
عندما يكون الخطاب، خاصة (السياسيّ) و(الثقافيّ)، استعاداتٍ مصاغةً بطرقٍ أخرى، لأفكار وسياسيات ومدارس أدبية متواترة ومنابر إعلامية معروفة، يصير لا قيمة له، يصير أيديولوجيا، يصير قواعدَ وتبشيراً مُقنَّعاً.
يفقد الخطاب طبيعته بصفته جدلاً وسجالاً ومعرفةً.



تعليقات الزوار
الاسم: نجاح العنزي
شكرًا للكاتب القدير. اعتقد يوجد مقال سابق للكاتب في نفس الصحيفة يتحدث عن ثقافة التواصل في الوسائط الاجتماعية. وهذا المقال استكمالا لذات المسلمات والفرضيات التي أشكك فيها،ولا اعتقد أنها تصلح قاعدة للبناء المفاهيمي الصحيح حول طرق المعلومات في وسائط التواصل. ربما الكاتب القدير يلاحظ نفسه معنا في التعليق السياسي السريع والتصويري للظواهر السياسية والأزمات الاجتماعية. لو فرضنا أن الكاتب قيد الاختبار كحالة دراسية عن معطيات وسائط التواصل الاحتماعي لما كان مقبولا لدي "مفهوم التصفحية" كتقرير وصفي عن الكاتب! فلا شك عندي أنه يحمل آراء أكثر عمقا مما يسطره على عجل كإشارة الكترونية. هناك حاجة للتعامل مع السرعة، وهذه الحاجة تفرض جمل علوية دون سقف! وجمل سفلية دون أرض! لذلك الجمهور الأكثر نشاطا في هذه الجغرافيا: الإعلانات التجارية، والشخصية، والضميرية عن الشخص أو المجموعات. دون التوغل أكثر لأن الاستنباط الأصلي لدى شاكر لعيبي -في رأيي- قراءة ساكنة لمجتمع المعلومات. وهو يرثي الحالة العربية في مجتمع المعلومات في معظم الوقت. وما يهمني هنا مناقشة الكاتب حول الجذور والأصول والمقدمات. في رأيي، أن مجتمع المعلومات قائم بذاته، ولكنه مجتمع ثانوي تابع حيث يفقد جلّ سمات المجتمع الأصلي الذي تنتمي إليه خطاباتنا فهو ليس امتداد تاريخي للمجتمعات الزراعية،والتجارية والصناعية وما بعد الصناعية لكنه تطور بنيوي للمؤسسة أو المنظمة في إدارة الأعمال، هو الابن الشرعي للمكتب الإداري في عناوين الاتصال: الشارع والمدينة، والهاتف،والناسوخ،وصندوق البريد،والبريد الشبكي، والموقع الشبكي. هذه الآلة عندما قرر أهلها استعمالها تجاريا(دون إغفال للمآرب الأخرى)استطاع السوق من خلال الشركات التقنية الكبرى تصديرها للعميل، كخدمة للتواصل السريع وبأقل التكاليف المكتبية. إذا مجتمع المعلومات قائم بذاته فقط من خلال بنيته التحتية عبر اتفاقيات حكومية مع شركات التقنية الكبرى والأطراف الثالثة والمستخدمين النهائيين. أعضاء مجتمع المعلومات هم: المنتجون والمستهلكون معا باتفاقية ترخيص خدمات متعددةالأطراف: *شركات التقنية الكبرى، *شركات البرامج والتطبيقات. *شركات الصيانة والتسويق والحلول. *شركات الأمن المعلوماتي *الحكومات والمؤسسات الأهلية والدولية *الأعمال التجارية. *الأفراد الموهوبون أو المشتغلون بقطاع التقنية. أما حالة "المستهلك الصفري" الذي فرضت عليه التقنية المتقدمة من خلال الشركات الكبرى والشركات متعددة الجنسيات والبنوك بسبب التطور التقني في المراجعات والخدمات والمعاملات المالية، أو الذي اضطر بسبب تخلف التطور التقني في نظام المكتب - المؤسسة في القطاعات الاقتصادية أن يكون "متصلا افتراضيا" لا "متواصلا" بنظام الشبكة العالمية. إذا أردنا التوضيح فإن تحليل سلوك مجتمع المعلومات العربي مرتبط بوزارات التقنية العربية، ومختصو تقنية المعلومات، وبالدراسات الأكاديمية في هذا المجال، والتي تتقاطع مع تخصصات أخرى في الهندسة والقانون والسياسة والعولمة والاجتماع والاقتصاد والجغرافيا..الخ،والتي ستفرز خلاصات ونتائج مختلفة تماما عن توقعاتنا وانطباعاتنا،وحتى في قياس التعاطي الثقافي -رقميا- مرتبط بأسئلة تقنية وكذلك فلسفية وعوامل خارجية.وأنا أهيب بوزارات التعليم العربية والإسلامية لتأصيل علوم تقنية المعلومات والحاسب الآلي واستعمالاتها إسلاميا طالما أننا مجتمعون في منظمات ومؤتمرات. لأن أهداف المسلم في استعمال "الآلة التقنية" يجب أن يمتثل سلوكا للآداب الإسلامية سواء من حيث: الغاية، والفاعلية، ومنطقة الاستخدام. فعندما يقول لنا شاكر لعيبي أن ثقافة التواصل في الوسائط الاجتماعية ليس من الممكن الحديث فيها عن الملكية الفكرية. فإننا نرد إن هذا الانطباع السائد هو نتيجة لتخلف نظم التعليم والتربية في مؤسساتنا التعليمية والتي انعكست على سلوك المستخدمين وليس صفة مكتسبة من الآلة. ومهمتنا هو إنشاء جمعية للإنترنت العربيةوالإسلامية لمراجعة سلوكياتنا، وتحسين فعاليتنا، لتتكامل مع مخرجات مؤسساتنا وطنيا. حجم نفايات معلوماتنا العربية - على الأقل- على الشبكة العالمية مخجل ومروع قياسا على موقعنا الحضاري. ويتطلب منا تأسيس شركات ومبادرات من أجل إعادة تدوير النفايات وتحسين بيئة مجتمع المعلومات لتكون عامل محفز للتطور والتقدم المادي الرشيد. شكرًا جزيلًا.
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون