TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عزلة الشيعة

عزلة الشيعة

نشر في: 19 أكتوبر, 2012: 07:26 م

أيام صدام احتاج شيعة العراق أكثر من غيرهم الى الدفاع عن حقوقهم. ولكن بعدما اصبحت حكومة العراق شيعية، صارت شعوب الشيعة في كل مكان أحوج الى الدفاع عنها أكثر من أي زمان.
في وقت ما من بداية التسعينيات ناقشتُ قولا مشهورا للمرحوم السيد مهدي الحكيم، جاء فيه "أن صدام ظالم في كل شيء لكنه عادل في توزيع ظلمه على الجميع". ان المقولة صحيحة بوجه عام. فالدكتاتورية لا دين لها سوى السلطة. انها ديانة إباحة كل شيء من اجل البقاء السياسي. وهكذا فانك لن تجد طائفة او اثنية أو مدينة عراقية سلمت من أذى صدام.
ولكن مع ذلك يمكن الاختلاف مع تلك المقولة من ناحية التفاصيل. فكون الشيعة في العراق أغلبية يحتم وقوع أغلبية الأذى عليهم. وجاء انطلاق انتفاضة 1991 من مناطق الشيعة ليزيد على الطنبور نغمة. وقد تعالى صوت هذه "النغمة" الى حد حملت فيه الدبابات أحيانا شعار "لا شيعة بعد اليوم" أثناء عمليات قمع الانتفاضة. وهذا شعار ابادة جماعية (جينوسايد) نظيف لا غبار عليه. الأمر الذي يجعل الدفاع عنهم في ذلك الوقت فرضا على كل بشر ذي ضمير، ناهيك بالعراقيين أمثالي.
وتلك أيام قضت ولكن الخوف قائم من أن يكون القادم أسوأ منها على الشيعة، لا في العراق وحده وانما في كل مكان. انهم اليوم سلطة في ايران، قوة عسكرية وسياسية في لبنان، وحكومة في العراق. وكل من هذه الأطراف تمتع بجاذبية في بداية أمره. فقد امتد سحر خميني الى جهات المعمورة، ولم ينج منه حتى فيلسوف مثل ميشيل فوكو. ونال حزب الله تقدير الرأي العام العربي والاسلامي لدوره البطولي في تحرير جنوب لبنان. وصار الشيعة في العراق سلطة شرعية في دورتي انتخابات عام 2005.
وقبل ذلك، في"مرحلة الثورة" التي بدأت في منتصف القرن العشرين، حظي الشيعة العلمانيون بتقدير الأوساط العربية والاسلامية والعالمية، نظرا لأدوارهم الطليعية في الحركات والأحزاب اليسارية والقومية والديمقراطية.
ذلك كله أمسى من الماضي. فالشيعة صاروا اليوم معزولين اقليميا ودوليا. ولربما بدأ خط الشروع في هذه العزلة من العراق، ولكن نذرها السوداء تجمعت مع تفاقم الأزمة السورية. فهذه الأزمة عرت النظام الحاكم في سورية من ثياب القومية الزائفة، ليسفر عن وجه شيعي، زائف هو الآخر، ولكنه صار ذريعته الأخيرة والوحيدة من أجل البقاء. وقد لا يكون هناك شك في ان قاعدة النظام الاجتماعية طائفية. ولكنها قاعدة يستعملها من أجل بقائه لا حبا بالطائفة.
والحاصل ان الأزمة السورية أدت الى اصطفاف شيعة السلطة في ايران وسوريا والعراق وحزب الله في جبهة واحدة مدعومة من روسيا، ومعزولة عن بقية العرب والمسلمين والغرب. يعني "التم المتعوس على خايب الرجا" وأصبحوا مادة "حرب باردة" جديدة في المنطقة والعالم. ان "الطائفية السياسية" التي بلورتها حكومات وأحزاب الاسلام السياسي الشيعي تتحول الى "آيديولوجية عزلة"، شبيهة باليهودية في مراحل معينة من التاريخ. وقد عرَّضت "يهودية العزلة" تلك أتباعها الى "البغض الشامل" بعدما قطعتهم كليا عن الشعوب الأخرى على رأي سبينوزا.
ولعل هذا ما تفعله اليوم شيعة السلطات بشعوب الشيعة. وهو فعل تجديد لـ "المظلومية" التقليدية بطريقة مبتكرة ومرعبة. فقد كنا نحظى بدعم العالم ضد أنظمة مكروهة، وأصبحنا أنظمة مكروهة ضد العالم. والظالم هذه المرة من نفس طائفة المظلوم. وظلم ذوي القربى معروف بشدة المضاضة. ومضاضة هذه تسرح وتمرح اليوم في مناطق شيعة العراق التي يعطونها التعزيات ويسلبون منها الحياة. والحال من بعضه في ايران. الوضع مناحة في سوريا. جنوب لبنان قربان في معبد طهران. وعلى اي حال فان هذه القصة ليست فريدة ولا جديدة. فلطالما شهد التاريخ ممثلين لشعوبهم كانوا أشد ضررا بها من الأعداء.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. احمد ناجي

    المنطقة غرقت بالطائفية المشكلة ليس بالشيعة المشكلة بالغلبية السنية التي تحولت من القومية العربية الى المذهبية السنية والتي حتما تنتج مناخ استقطابي مذهبي امااذ كان الكلام عن قطيعة الشيعة مع الغرب وامريكا فانهم ايضا لن ينجو من التيارات التكفيرية مرة اخرى ب

  2. رياض فرحان عبد الكريم

    ما تتحدث عنه الأسطر الأحدى عشرة الأولى قد يفهم منه أن المهنه على تعاطف ( يشكر عليه ) مع مكون عراقي نال من صدام وحقبته ما لا يخفى على منصف , مع أن المهنه قد دس فيما بين السطور السالف ذكرها - عامدا أو ساهيا - تهكما أعتبر فيه مظلومية الشيعة قبل أنتفاضتهم الأ

  3. فرات ابراهيم

    فالشيعة صاروا اليوم معزولين اقليميا ودوليا. ولربما بدأ خط الشروع في هذه العزلة من العراق، ولكن نذرها السوداء تجمعت مع تفاقم الأزمة السورية. ومتى كان الشيعة مقبلولين اقليميا ودوليا هل قبلهم العالم اجمع في عام 91 ، انا اقول لك ياسيدي متى كان الشيعة مقبولين

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram