بعيداً عن الحرف وفي متناول المحبةكما لا يهمل فردا في عائلة قريبة أو صديقة، لا تهمل عينه جانبا من مشهد، وهو لا يقصي جانبا في رؤيته لمنظر أو لوحة أو نص. نظرته الكلية الجمالية يندر أن نلمسها اليوم لدى فنانين وكتاب آخرين. الانسجام والتناسق شرط الكلمة وما
بعيداً عن الحرف وفي متناول المحبة
كما لا يهمل فردا في عائلة قريبة أو صديقة، لا تهمل عينه جانبا من مشهد، وهو لا يقصي جانبا في رؤيته لمنظر أو لوحة أو نص. نظرته الكلية الجمالية يندر أن نلمسها اليوم لدى فنانين وكتاب آخرين. الانسجام والتناسق شرط الكلمة وما حولها، حد الفارزة والمسافات بين الأسطر وحجم الخط، عدا عن النحو وحساسيته له بالطبع. عندما أرسلتُ له أول نص كتبته وكنت مرتعبة مثل نعامة وبينما كنت متحرقة لانتظار جواب منه، كتب لي أن المظروف الذي دسست فيه النص يجعل الرسالة "تلقلق"، لأنه فضفاض قياسا إلى حجم ما في بطنه وقد خطّ ملاحظته أو دعابته بشكل أنيق إلى جانب اسمي كعادته على المظروف.
أزاحم عددا لا حصر له من محبيه وأحتفظ محظوظة بكمّ من الرسائل بخطّ يده لا أجمل من التأمل فيها، وقت مستقطع يبعث راحة ورخاء ويبث موسيقى، بينما ابتسامته ظلٌ مرافق لحرفه المرسوم على الورق. ذلك بعد أن داومت على قراءة كمٍّ هائل من معايداته وبطاقات من سفراته ورسائله الخاصة التي كان يتبادلها مع أبي مذ كنت طفلة، سواء كان مسموحا لنا بالوصول إليها أم غير مسموح. أحفظ مازلت عن ظهر قلب تعابير تخصه واقتباسات من التراث مما استأثر باهتمامه، وأجدها تتسلل أحيانا عبر جمل أكتبها.
هو لا ينتمي إلى جيل محدد برأيه، أقولها انطلاقا من رفضه المشاكس لاتهامات أجرؤ أن أطلقها بين الحين والحين حول قيود فرضها وعوامل اشترطها وقوانين صارمة سنّها ذلك الجيل بشأن الكتابة الأدبية على نفسه وعلينا بالتالي. ولطالما ذكرت أن من أرعبني وجعلني أخفي محاولاتي الأولى في كتابة الشعر هو جيل أبي من الشعراء في العراق، فالتقرب كان وفق قناعاتهم يقتضي أن يقطع الشاب شوطا طويلا في التدرب والتدرب والحفظ والحفظ والقراءة والقراءة قبل أن يقدم على الكتابة والنشر. هذا ما تصورته من خلال المحيط الذي عشته وشروطه المثالية، وقد تكون الصورة مبالغا فيها لأن حوارا هادئا ظل قائما بيننا بهذا الشأن قد فنّد الكثير من تصوراتي وتهويلاتي، وذلك قبل أن أتجاوز أمر ارتهاني في أولى مراحل الكتابة بما يعنيه "الكبار".
وجدت الصداقة التي تربطه بأبي نادرة في خصوصيتها ومتانتها، كانت دائما موجودة بقوة وبحجم لا يقتصر على الجوارير والجدران. صداقة سهلة ممتنعة كنا إخوة وجاء أزواجنا وأطفالنا من بعدنا ليصيروا جزءا منها بآلية يصعب تفسيرها. يتوهج وجهه كلما تحقق لقاء، ويتألق وهما يغرفان من ماض حافل بالمغامرات والنشاطات السياسية والثقافية والاجتماعية وفيه تكون البصرة مستقرة الطيب الآمن المفتوح. علاقة خاصة لأنها بظني تعيش من دون التغذية التي نعهدها، رغم المسافات وتباعد اللقاءات وتجاربهما المريرة ولكنها صداقة ناجزة، هكذا كانت دائما، وكأنها من الذهب، يرتكن عليها كلما ضاق الصدر وتمكنت الكآبة من أحدهما. وكأنها حرفه الذي نلمس حركته بينما هو ساكن.
"مصادفة ان استخدم الذهب كتشبيه، ولكنه في لوحة مشغولة بماء الذهب قال وهو يهديها للوالد؛ من الذهب إلى الذهب!"
أشد ما صعب علي تصوره هو ملازمته السرير، فعطاؤه المتوزع بين الفن والأدب لم يتوقف مذ وعيت على الحياة، نتابعه في كل ما ينجزه، بين دواوين شعر، مسرحيات، مشاريع روايات، سيرة، خط وتشكيل وتصميم، إقامة معارض وسفر، وهو حرفي بارع دؤوب، فلا دقة وجودة كالتي يمتلكها في فن التجليد، إذ درج قبل أن تتعب يداه في السنوات الأخيرة على القيام بنفسه في إخراج كتبه وطبع نسخ معدودة خاصة منها يختار لها الورق بذائقته هو ويصفها ويطبعها ويغلفها بنفسه بأناقة ومهارة متفردة.
حبه للحرف معدٍ. تراكمت في بيتنا ثقافة يعود الفضل فيها إليه من دون شك. يندر أن أمر بلوحة حروفية أو زخرفة أو لافتة من دون أن "يقف على رأسي" في ضرورة تقييمي لها قبل عبورها. وآسفة لحديث له لم يكمل عبر الهاتف عن صوت الحروف، لا أعرف إن كتب وتوسع فيه؛ شكل الحرف يفرض صوتا؛ كالواو على سبيل المثال.
عندما عينتُ في المكتبة الملكية في كوبنهاكن التي كانت على تواصل معه قبلي بكثير توجب علي أن أصنف الصناديق التي أرسلت المكتبة أمرا بنقلها من مكان إقامته في باريس بعد أن تبرع بجزء كبير من مكتبته البيتية العربية إلى المكتبة الملكية. قضيت أياما في جولة بين مختاراته ومقتنياته من الكتب. كانت شاملة بمعنى الكلمة، توزعت بين السياسة والتاريخ والفلسفة والفن والأدب والتراث. وعدا عن كتب مكتبته التي أدخلت في نظام الإعارة الدنماركي، فلوحاته، على الأخص الحديثة منها والتي جمعت بين الخط والتشكيل تم اقتناؤها تقديرا لفنيتها وتفردها. وقد زينّت أروقة قسم الدراسات الشرقية في كوبنهاكن وبالأطر التي اختارها لها. قد أسعدني دوما احتلالها لتلك المساحات في فضاء هو لها، ولما أضفته ألوانها ورشاقة حروفها من بهجة وأصالة تدعو للزهو حقا.
نحن في بعثرتنا التي يعرف بها، منا من هو في الدنمارك، ومن هو في البصرة وفي لندن والإمارات، تجمعنا حاجة حارة ملحة لكي نلتم هذه اللحظة لنستذكر فيها حضوره الغني العميق الطفولي المشرق.
وإن كان وداعا تبقى روحه خفيفة رقيقة شاعة هامسة مثله تملأ المكان قطعاً أبداً.










