TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > بقرة داخل المرسم

بقرة داخل المرسم

نشر في: 4 إبريل, 2014: 09:01 م

منذ أن صرخ الانطباعيون ( هذا المكان موبوء ، فلنخرج إلى الطبيعة ) وفن الرسم يمر بتغيرات ومسارات وطرق ليس لها حدود . فبعد أن هجر الرسامون الشباب مونيه وسيسلي ورينوار وآخرون مراسمهم ، وفن الرسم يتجاوز الطرق والأساليب المعروفة واحداً بعد الآخر . الانطباعية هذا الحدث العظيم الذي حرّك جبال قرون من ثبات الرسم وتقليديته وقواعده المتزمتة ، وهي كانت أوّل انحراف عن طريق الآباء والأساتذة والمعلمين الأوائل . هكذا وبلحظة تاريخية نادرة ، حمل هؤلاء الشباب قماشاتهم وعدة الرسم ووضعوا أنابيت أو تيوبات الألوان في جيوبهم وخرجوا إلى الهواء الطلق حيث الضوء الباهر لأشعة الشمس وهم يرسمون لوحاتهم ويكملونها خارج المرسم ، بلسمات سريعة وألون قزحية . ومن ضمن تلك اللوحات كانت لوحة انطباع في ضوء الشمس ( 1872 ) للفنان كلود مونيه ، والتي استمد اسم الانطباعية منها . زمن طويل يفصلنا الآن عن سنة 1874 حيث أول معرض للانطباعيين في باريس لكن لوحاتهم مازالت هي الأكثر شعبية على مستوى العالم . وزوار المتاحف مازالوا يتابعون أعمالهم بمتعة وانسجام كبيرين .
لكننا الآن ، حين نودّع مراسمنا ونذهب إلى الخارج ، فهل علينا أن نستمر بلعب دور الانطباعيين ، ويكون هدفنا هو رسم الطبيعة بطريقة مختلفة فقط أم يمكن أن نستثمر ذلك بشكل آخر ؟ وماذا يفعل النحات في هذه الحالة ؟ وهل يمكن لرسام تجريدي على سبيل لمثال أن يستثمر وجود الطبيعة ليرسم أعماله التي لا تحتوي على الموجودات الخارجية أو أي تشخيص آخر ؟ من خلال هكذا تساؤلات وغيرها ، ظهرت مهرجانات الفن في الهواء الطلق أو ما يطلق عليها أحياناً ( السومبوزيوم ) لتعيد للفضاء هيبته وللضوء قوته وللمشاركة حضورها وتأثيرها . وبما أن الحديث هنا يتعلّق بالخروج إلى الطبيعة فإن الكثير من الفنانين فهموا أن السمبوزيوم هو رسم الطبيعة نفسها أو الرسم الحر خارج المرسم ( وهذا ممكن بالتأكيد ) ،لكن لا يمكن أن نطلق هذه التسمية على كل مجموعة ترسم الطبيعة في الخارج ، فهناك مواصفات وأهداف ووسائط معينة يجب أن تتوفر لتكوين ذلك ، والسومبوزيوم كلمة لا تخص الفنون التشكيلية على الإطلاق ، وقد استحدثت أو استعملت حديثاً في الأوساط الفنية ، وهي كلمة جاءت من الإغريق وتعني في اليونانية القديمة حرفياً ( نشرب معاً ) وكانوا يستعملونها في الأعياد والمناسبات التي يجتمعون فيها للشرب والأكل والمتعة مع محادثات وفعاليات تكون بهيجة ومرحة . وتغيرت مع الوقت وأصبحت تشمل حوارات ونقاشات جادة ورصينة . بعد ذلك بفترة طويلة ، استعملت الكلمة لتعني موضوعا محددا أو حقلا من حقول المعرفة الإنسانية ، يجتمع من أجله المتخصصون لعرض أو استعراض نتاجاتهم وجديدهم ليطّلع عليها الآخرون ويتبادلون الخبرات والمنفعة في اختصاصاتهم . لهذا نرى اليوم مثلاً سمبوزيوم للأطباء وآخر لمربي الماشية وثالث لعلماء البيئة ، وهكذا . وفي حالات خاصة يمكن أن يكون في أماكن مغلقة ، لكن في العادة يحدث أو يقام في أماكن مفتوحة وواسعة . ورغم أن طريقة السمبوزيوم يمكن أن تستثمر في الفنون التشكيلية ، لكن هذا لا يعني أنها فقط للمختصين بالرسم أو النحت أو الفن كما يفهم البعض .
وبما أن الرسم في الخارج يمنح النفس صفاء ومتعة ، فأنا أتذكر الآن ذلك الرسام المتزمت الذي لا يبارح مرسمه حتى عند رسم الطبيعة ، والذي جلب في إحدى المرات بقرة جاره المزارع وأدخلها إلى المرسم كي يرسمها مع المنظر الذي تخيله دون أن يراه بشكل جيد في الخارج ، وهو لا يعرف أنه أغلق باب المرسم أمام الضوء والجمال والتغيير!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram