خبران شكلا مناسبة، كبرى، للفرح، بالنسبة لي، وهما: خبر فوز الصديق الروائي أحمد سعداوي بجائزة البوكر العربية، والخبر الثاني: فوز زميله الصديق حسن بلاسم بجائزة الإندبندنت البريطانية للنص المترجم إلى اللغة الإنجليزية لعام 2014. وإذا كنت قد قرأت عمل سعدا
خبران شكلا مناسبة، كبرى، للفرح، بالنسبة لي، وهما: خبر فوز الصديق الروائي أحمد سعداوي بجائزة البوكر العربية، والخبر الثاني: فوز زميله الصديق حسن بلاسم بجائزة الإندبندنت البريطانية للنص المترجم إلى اللغة الإنجليزية لعام 2014.
وإذا كنت قد قرأت عمل سعداوي الاستثنائي "فرانكشتاين في بغداد" فإنني لم أقرأ بعد عمل بلاسم "المسيح العراقي"، ومع ذلك، فإنني أعتقد بشكل شبه يقيني بأن هذا العمل الأخير لا يختلف عن العمل الأول لجهة تسليط الضوء على المشهد العراقي المتشكل بعد العام 2003، ذلك المشهد الذي يمثل رعبه وعنفه وقسوته ذروة ما يمكن أن يشهده المرء من انحطاط. الكاتبان، كما أعرف، ركزا جلّ نتاجهما من أجل رسم ملامح هذا المشهد، وتقديمها للقارئ، سواء أكان القارئ عراقياً أو عربياً أو أجنبياً. وهما، أخيراً، قدما لهذا القارئ فرصة ممهورة بإبداعهما لاكتشاف بلاد تمّ ذبحها من الوريد إلى الوريد بحجج شتى.
يعمل سعداوي وبلاسم على نصوصهما بشغف. يكثران من الكتابة لأنهما يدركان أن ذلك هو التمرين الوحيد الذي يدفع بموهبتيهما إلى آفاق أبعد وأرحب. ينهلان من عجائبية المشهد العراقي، سياسيّاً ومجتمعيّاً على حدّ سواء. وهما، بمصادفة ليست غريبة، من أبناء الفقر العراقي. لم يكن الفقر هنا ليتحوّل عائقاً سواء على صعيد المبنى الفكري لكليهما أو لجهة الحقد على الآخر بوصفه المسبب لذاك الفقر. العكس هو الصحيح.
عمل سعداوي في قطاعات إعلامية مختلفة، ولقد تميّز في أغلب تلك القطّاعات. وقد أعطاه عمله هذا ميزة لم يكتسبها سواه من الروائيين العراقيين، وهي القدرة على التعامل مع مختلف الفنون الكتابية. ندرك أن أغلب الأدباء العراقيين يعملون في الصحافة، ولكننا لا نعرف عدد الذين جرّبوا مختلف الأنواع الصحافية، بما فيها الرسوم الكاريكاتورية. وعمله هذا كان تمريناً مستمراً من أجل الوصول إلى عمله المنحوت بصرامة، والحائز على الجائزة الأكبر.
أما بلاسم فقرّر الهجرة مبكراً من بلاده. لم يعد يتحمّل مشاهد الأذى في بغداد. دخل في متاهات من الجنونات الثقافية والاجتماعية، وفي كل تلك الجنونات كان حريصاً على أن يظلّ ينجز بعض الكتابات والأفكار التي بدت غريبة أو سوريالية.. لم لا... إنه الولد الذي نبت في صحراء القسوة. لم يشرب ماءً صافياً مثل أقرانه، ولم يلهو في أعوامه الأولى على عشب ندي... كلا.. صنعته المآسي العميقة، وكان أن وجد في الكتابة بعض سلوى.
وبعيداً عن حياة الصديقين سعداوي وبلاسم فإن عمليهما، الحائزان على جائزتين كبريين، يتماثلان في العنوان، والذي يحيل بدوره للتراجيديا العراقية. ففرانكشتاين سعداوي يصنع كائناً هو "الشسمة" من بقايا جثث ضحايا العمليات الإرهابية في بغداد. ولهذا يطلق على روايته عنوان: "فرانكشتاين في بغداد". وبإمكاننا الآن، دون أن نقع في فخّ السطحية، أن نرى في عنوان "المسيح العراقي" لبلاسم كائناً رسولياً ولكنّه معذّب، بل أن عذاباته لا تنتهي إلا بالصلب، ومع الصلب هذا يبقى رمزاً، ومناراً، تماماً كما المسيح عليه السلام.
رمزان كبيران وشهيران: فرانكشتاين الذي يخلق كائناً هجيناً من بقايا الجثث، والمسيح، عليه السلام، الهادي والمضحي. هما اللذان كانا محور العملين الذين قدمها سعداوي وبلاسم، فأجادا، وبسببهما حصلا على جائزتين كبيرتين.
الحق أقول أنني سعيد، أيما سعادة، بصديقيّ النبيلين، واستطيع أن أقول بثقة، وبلا عقد، بأنني شعرت بأن الجائزتين من حصّتي شخصياً. ولأنني مزهو بهذا الفوز الباذخ والنادر أجّلت الحديث في النقد إلى مناسبة أخرى وأنا أقدم حديثاً عن المحبة.. والفرح.











جميع التعليقات 1
إنعام ك.
أشاركك الفرحة أيها الناقد النبيل. إن سعداوي وبلاسم يستحقان الحفاوة لأنهما وضعا السرد العراقي الجديد على خارطة الأدب العالمي.