TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > حين تتحول دار بائعات الهوى إلى متحف

حين تتحول دار بائعات الهوى إلى متحف

نشر في: 30 مايو, 2014: 09:01 م

حين يتقدم العالم خطوة إلى الأمام نتراجع (نحن ) مع الأسف ألف خطوة الى الوراء ، وعندما يستنشق الناس في هذه المعمورة الهواء النقي الصافي ، يسحب أهلنا أنفاساً يملؤها دخان الحروب والإرهاب ، وفي الوقت الذي يقدم فيه أحدهم وردة لآخر دليلاً للرعاية والتواصل الإنساني الطيب ، يقدم بعضنا مشورة في أصول التطبير ، وعندما يلصق البعض أعلاناً لمعرض جديد في أحد المتاحف ، يلصق احدهم عندنا قنبلة موقوتة في باص مدرسة . هل هناك أكثر هولاً من ذلك ، وهل هناك بشاعة أكثر مما نراه ونسمعه ؟ لقد قتلوا الجمال في الأراضي التي بدأ فيها الجمال ! لماذا قُدر أن يكون هذا الطريق هو الذي يمر عليه بلدنا أو تمر عليه بلداننا في المنطقة العربية ؟ لماذا كل هذا الدخان الذي يحيط الناس من كل جانب ، والإنسان يعيش مرة واحدة فقط ؟ لماذا يحدث كل هذا التنكيل بالناس حيث الشباب والشابات يَرون جمال أيامهم يذوي أمامهم ، فقط لأنهم ولدوا في هذه المنطقة ؟ الأنسان فوق كل شيء مهما كان هذا الشيء ، وهو الذي يصنع المدن والبيوت والجمال والمحبة والأبداع دائماً ، لكنه رغم ذلك ، هو نفسه من أَوجد الحروب والقنابل والديانات والإلحاد والشك في الآخر المختلف ، هو من بنى مجده الزائف على حطام الآخرين ، هو من صنع القتل كما الثقافة ( مثلما فعل ألفرد نوبل حين اخترع الديناميت وجائزة نوبل على حد سواء ) . الإنسان هو من يدير دفة حياته كما يدير دفة موته أيضاً . أ لم يتنكر أغلب أناسنا بجهل ليس له مثيل للتيارات المدنية في الانتخابات الأخيرة وكأنهم يريدون البقاء تحت نفس العباءة المظلمة ؟ ، كيف سيتغير الوضع والأمور تمشي بهذا المنوال ؟ ، كيف ستتغير الأمور نحو الأحسن والناس تكرر نفس الأسطوانة وهم يتظاهرون بالبحث عن حلول لحياتهم ؟ لقد قال أينشتاين مرة ( من الغباء أن تكرر نفس الخطوات التي تقوم بها دائماً وتنتظر نتائج مختلفة ) .
لكن رغم كل هذه التفاصيل التي تمر أمامي الآن وأستنكرها بشدة ، عليّ أن لا أنسى أن الجمال والحفاظ عليه يمنحنا شيء من الهدوء والأمل في حياة قادمة ، بيد أن هذا يبدو من الصعب الحفاظ عليه أيضاً ونحن نراه يتدحرج أمامنا مثل كرة ملتهبة ، مثلما نرى ونقرأ الآن حول تحطيم تماثيل أثرية قديمة في سوريا من قبل الإرهابيين ، كذلك تحطيم تمثال لمريم العذراء ايضاً ! لكني أسأل نفسي ، لماذا أستنكر وأستشيط غضباً على ذلك ؟ لقد حطم هؤلاء الأنسان نفسه ، وكأن الأمر حدثاً عادياً ، اقتطعوا أوصاله ومثلوا به ببشاعة لا توصف ، والحياة تسير في مناطق خضراء وزرقاء برتابة تقليدية . الأنسان يُقتل كل يوم في بلداننا ، وما تحطيم التماثيل سوى عملاً إضافياً يقومون به وقت فراغهم أو أثناء استراحتهم من القتل والتنكيل بالإنسان نفسه .
هنا أود أن أعود الى مواضيعي المفضلة وأقول شيئاً ربما يبدو متطرفاً لكنه حقيقة على كل حال . ففي الوقت الذي أقرأ وأشاهد الإرهابين ( المتدينين ) وهم يفعلون كل ذلك ، أقرأ وأتابع تحويل ( بيت بائعات هوى ) الى متحف في أمستردام ، حيث تم تحويل نادي أو صالون ( ياب يام ) الشهير الى متحف ، هذا المكان المعروف في العاصمة الهولندية بأناقة نساءه الفاتنات وغلاء ثمن الدخول إليه ، أصبح الآن بإمكان أي شخص شراء تذكرة بسعر مناسب والاطلاع ببساطة على تفاصيل هذا النادي الشهير بأرائكه الجلدية البيضاء وباراته وطاولاته المصنوعة من المرمر . وهكذا بفضل هؤلاء الغانيات يكسب البلد آلاف السياح ، بينما نحن نكسب بسبب متدينيننا ملايين القنابل!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. ابو اثير

    من السخرية والغرابة على ذكر أستغلال ألأماكن لغرض الترويج السياحي وتدفق ألآلاف من السياح لزيارة العراق بأن يتبؤا منصب رئيس هيئة السياحة في العراق منذ 2006 ولحد ألآن شخصية تابعة لحزب ديني تورط في تقديم قانون ألأحكام الشرعية أي ما يدعى بالقانون الجعفري للأحو

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram