TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > حصان طروادة في جلسة البرلمان

حصان طروادة في جلسة البرلمان

نشر في: 12 يوليو, 2014: 09:01 م

يؤكد دارسو سير الزعماء التاريخيين، ان القراءة دائما ما تؤثر في رؤيتهم بل وتساهم في تشكيل مستقبل اوطانهم ولعل أكثر الزعماء السياسيين نهماً للقراءة في التاريخ هو وليام غلادستون، الذي كان رئيساً لوزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر. وتشير مذكراته إلى أنه قرأ 20 ألف كتاب خلال حياته التي دامت 88 سنة. لكن توماس جيفرسون، الرئيس الأمريكي، لم يكن بأقل شأناً هو الآخر في ما يتعلق بقراءة الكتب. وقد أورث مكتبته البالغة 6400 كتاب إلى الجهة التي أصبحت فيما بعد مكتبة الكونغرس. ويخبرنا دي سليفا، رئيس البرازيل الأسبق، إنه يحب أن يأوي إلى السرير ومعه إحدى روايات ماركيز. ، فيما ظل توني بلير يشرح لزائريه كيف سحرته رواية فيليب روث، والتي تروي حكاية مواطن يحلم بان يصبح رئيسا للوزراء والشروط التي يضعها لهذا المنصب، أن يكون ذكياً، لكن لا داعي لأن يكون عبقرياً. وينبغي أن يكون ذا ضمير حي، لكن لا ينبغي أبداً أن يكون ضعيفاً، وأن يكون جريئاً، دون أن يكون متهوراً، وينبغي أن تكون لديه القدرة على هضم واستيعاب الأفكار، وأن يكون حلو المعشر، والأهم من هذا كله أن يكون عديم الإحساس بالانتقادات.. وتخبرنا سكرتيرة ميتران في أوراقها ان الرئيس الفرنسي كان يعشق قراءة الملحمة الإغريقية "الإلياذة" وانه اخبر نائبة جورج بومبيدو ذات يوم من ان العالم لايزال يعيش مفاجأة حصان طروادة.
تروي لنا الياذة هوميروس كيف ان اسوار مدينة طروادة كانت عصيّة على الجيوش الغازية . فما كان من هؤلاء إلا أن لجأوا الى الحيلة فقرروا ان يبنوا حصاناً خشبياً ضخماً، ملأوا داخله بالمقاتلين، ثم تركوه عند باب المدينة.. وفي الصباح تطلّع اهالي طروادة إلى الحصان فقالوا لأنفسهم، ان الالهة رضيت عنا اخيرا ، فأرسلت لنا هذه الهدية.
أتذكر أنني أعدت قراءة الالياذة في اكثر من ترجمة كان ابرزها للمصري محمد عثمان ، ولاتزال اقدم نسخة ترجمة للعربية لاميل بستاني احتفظ بها في مكتبتي ، وفي كل مرة اعيد قراءتها اجد نفسي إزاء حكاية أخرى للجهل الذي يحيط بنا جميعا، ولعل الدرس الذي اراد أن يقدمه لنا الشاعر هوميروس هو : من السهل ان تقع في الفخ ولكن من الصعب ان تخرج منه ..ويعلمنا ان اكثر الرذائل المستعصية على التقويم هي من قبيل جهل الذي يتوهم بأنه يعرف كل شيء، ومن ثم يدعي لنفسه الحق في خداع الآخرين.
يخبرنا المؤرخ ادورد غيبسون بان الامبراطوريات تسقط عندما يستبيح الحاكم لنفسه عمل كل شيء باسم القانون، وايضا عندما يستبيح الحاكم لنفسه استعباد الناس وقهرهم تحت شعارات الوطنية والقومية.. تسقط الدول حين يفتح الحاكم ابواب التنكيل والتهميش والإقصاء والقتل، ويغلق نوافذ التسامح والمحبة والعفو، وتعمر البلدان حين يؤمن حكامها بان الحرية حق، والأمان حق، وحب الحياة حق.
في روايته "الخراب" التي صدرت ترجمتها العربية قبل عام يروي لنا الكاتب رونان بنيت، حكاية المدينة التي يصمم قادتها على تقسيمها الى نصفين .. وعليك ان تقرر أنت مع من تقف ، لا مكان لاثنين متفقين على رأي، لابد من الاختلاف كي يعيش القادة بأمان .. لابد من ان ينشط الناس في مراقبة بعضهم البعض في الطرقات والحدائق واماكن العمل .. اي كلمة لاترضي الكبار تثير حفيظة الناس ضد قائلها وتستدعي ملاحقة صاحبها والتحقيق معه .. الكل اعداء لانهم ليسوا من طائفتي ، والكل متآمرون لانهم لايريدون لي الاستمرار في الجلوس على أنفاس البلدة..
الجميع أعداء ومتآمرون إلا أنت وجماعتك، لذلك لا يسمح لك بمغادرة أرض الخوف، مواطن خائف ومذعور أفضل عندهم من أولئك المغامرين بجرأتهم والمبادرين بانفتاحهم، الخائفون يسهل اقتيادهم وتدجينهم، يسهل غمر عقولهم بسيناريوهات المؤامرات التي لا يظهر لها دليل ولا برهان، يسهل إقناعهم بالخطر الذي يتهدد الناس حتى في بيوتهم .
ايها السادة يامن ستجتمعون اليوم تحت قبة برلمان العراق عليكم ان تقراوا الالياذة العراقية جيدا وإياكم الظن من أن الديموقراطية تعني الزهو والانتصار لمجرد حصول البعض منكم على الأكثرية. ... عندما ينتصر حزب في المانيا او بريطانيا او فرنسا لا يطرد الاخرين خارج حلبة السياسة ، ولا يشتمهم في الفضائيات.. ولايخونهم .. بل تقضي الديموقراطية أن يكون كل سياسي ضامناً لمصالح جميع الناس، حامياً لكراماتهم .
ايها السادة ا عليكم ان لا تفرحوا كثيرا بحصان الطائفية الذي سحبتموه داخل أسوار البرلمان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. د. محمد معارج

    تحياتي لكم على هذا العمود اليومي ودعني اقول ان كلمات اليوم لها مدلول فلسفي جميل لا يستطيع بالتاكيد هؤلاء (سياسي اليانصيب ) ان يفقهوه . لقد استولى الضعفاء الخائفون على مقاليد الامور ولهذا لا نعجب لظهور الانتهازية الى السطح وفي كل مفاصل الحياة وبالمقالبل ا

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram