TOP

جريدة المدى > عام > في ذكرى عبد الوهّاب البياتي .. الشاعر الذي راقب الموت طويلاً ( 2 - 2 )

في ذكرى عبد الوهّاب البياتي .. الشاعر الذي راقب الموت طويلاً ( 2 - 2 )

نشر في: 16 أغسطس, 2014: 09:01 م

 تقع مقبرة (الإمام زين العابدين) عند السفح الغربي لـ (جبل قاسيون)، مطلة على دمشق (من علٍ) يكفي لأن تشارك الطيور التي تحلق خفيضة فوق القبور ضوء الشمس الملقى على جسد الجبل الإطلالة الصباحية الأولى على المدينة. وفي آخر تلك المقبرة ، وعلى مقربة من س

 تقع مقبرة (الإمام زين العابدين) عند السفح الغربي لـ (جبل قاسيون)، مطلة على دمشق (من علٍ) يكفي لأن تشارك الطيور التي تحلق خفيضة فوق القبور ضوء الشمس الملقى على جسد الجبل الإطلالة الصباحية الأولى على المدينة. وفي آخر تلك المقبرة ، وعلى مقربة من سياجها الغربي ، حيث تظلل المكان شجرة وارفة ، يستقر البياتي في قبره ،وبما يهيئ له ـ إن أراد ـ فرصة أن يلقي من هناك قصائده ، ليس على القبور التي تدرج تحت قبره ، رافعة أعناقها نحوه بل على المدينة التي يسمح له مرتقى قبره أن يسرح بصره حتى أبعد حي فيها. 

 
بدا البياتي ـ في الانزواء المباعد لقبره ـ بمنأى عن القبور الأخرى ، وكأنه مايزال متمسكاً بطبعه الدنيوي في ترك مسافة يراها كافية بينه وبين البشر الآخرين ، واحتدامهم الضاج الذي لم يكن يطيقه . أو لعله ـ وهو في ذلك المكان قريباً من من طرف السياح ـ بانتظار هطول المساء كي يرتقي ذلك السياج ، ليغادر المقبرة نحو دمشق، يسلك خطاه متأنياً في أحيائها القديمة، ويمر على ماكان قد تعرفه من منتدياتها ومكتباتها ومقاهيها ، قبل أن يكمل وجهته الى حيث قبر (محيي الدين بن عربي) ليستريح عنده ، ويحدثه عن بعض شؤون تجمعهما ، ويقرأ كل منهما للآخر بعض ماعن له . وقد يتبادلان مابين أيديهما من الكتب ، فيتلو البياتي بعض ما أستوقفه من (ترجمان الأشواق) ، ويسترجع ابن عربي ما شغله من شعر البياتي . وربما طلب ابن عربي من البياتي ان يسمعه قصيدته عنه تلك التي جعل البياتي عنوانها (عين الشمس ، أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق) ، تلك التي يقول مقطعها الأول : 
أحمل قاسيون
غزالة تعدو وراء القمر الأخضر في الديجور
ووردةً أرشق فيها فرس المحبوب
وحملاً يثغو وأبجدية
أنظمة قصيدة فترتمي دمشق في ذراعه قلادة من نور
أحمل قاسيون
تفاحة أقضمها
وصورة أضمها
تحت قميص الصوف
أكلم العصفور
وبردى المسحور
فكل اسم شارد ووارد أذكره ، عنها أكني واسمها أعني
وكل دار في الضحى أندبه، فدارها أعني
توحد الواحد في الكل
والظل في الظل
وولد العالم من بعدي ومن قبلي
 
وإذ يطيلان حميمية اللقاء بينهما ، فربما استبدت بابن عربي لحظة مستعادة من العتاب معه : كيف لم يستقر الى جواره ، فيرد البياتي بصوته الخفيض وابتسامته الوقور أن ذلك أدعى للمودة والتزاور المشوق بينهما . ثم ـ وقبل قبل آذان الفجر ـ يغادر البياتي آيباً إلى حيث قبره ، لتعانق روحه جسده ، وينهمكان بحوار وجودي صامت .
(3)
بين فكرة الموت وكشوفاتها في الرؤية والتمثل الشعري لدى البياتي وطبيعة الصلة الروحية بالشيخ المتصوف (محيي الدين بن عربي) التي لهج بها ـ حد الرغبة في المجاورة المكانية ما بعد الموت ـ مرامي تأمل ممكنة لمقاربة تجربة البياتي الحياتية والروحية ـ والابداعية قبل ذلك وبعده ـ لأن الفكرتين تلتقيان في تأثيث أفق من المراجعة التي تؤطر جانباً من تفصيلات الوجود الانساني لهذا الشاعر ، ومنذ مراحل مبكرة ، تتماهى معها ، وتتكيف بها مسارات من الرؤية والمنجز وما هيمن عليها من تطلعات تواترت الإشارات إليها حتى أمست يقين تلق يكاشف بقيمه أية مراجعة تستهدف تجربة البياتي .
لقد استوقف البياتي تأملاته الذهنية والشعرية طويلاً لمجادلة فكرة الموت وتشكيل مرجعية حضورها في آفاق الوجود الانساني عبر تداخلها معه حيث التداول المتفقه عنده لثنائية (الموت والحياة) أو (الحياة والموت) سيان ، وحيث يتحقق من تنافذهما الجدلي تعاضدات فكرية متسعة ، تراجع تجليات كل منهما في الأخرى : (الموت في الحياة) ، (الحياة مابعد الموت) ، (الموت رغبة في تشكيل حياة خاصة) ، (الميتات المكرورة والولادات المتناظرة معها) . وهكذا راح البياتي يستدرج رؤاه في معالجات ذهنية وجمالية لا يكاد أي من دواوينه ـ ولانبالغ إن قلنا قصائده ـ ليتخلى عن بثها الرؤيوي المستعاد .
يستدرج البياتي جملة من الثنائيات الضدية التي تتلون بدلالات الحياة ونقيضها ليضعها في تأكيد يفلسف صحوه الوجودي وتماهيه في الآن نفسه مع غيابه: " أنا منفي داخل نفسي وخارجها ، مبصر وأعمى ، ميت وحي في حوار أبدي صامت مع موتي ، في رحلة الليل والنهار"(تجربتي الشعرية ،ص70)
وموته هذا ليس استدعاء لمغادرة عجلة عن الوجود الأرضي بل هو تشبث به ، ولكن عبر معان بعيدة المدرك : " فموت الأشياء في العالم أو موت العالم في الأشياء بعث للشاعر وتفجير لطاقات الخلق والغضب والثورة في أعماقه. (المصدر نفسه ،ص84) . 
وإذا كان للموت ديدنه الذي لايغادره فلابد من اجتراح بشري لوسائل مغالبته، وقد وجد البياتي الذي يتدرأ به ـ هو وصنوه من المبدعين ، والشعراء خاصة ـ في الإبداع ذاته ، فالشاعر " كمشروع ومحاولة وطفل وثوري ـ نقيض للموت ، وبديل له ، وانتصار عليه " (المصدر نفسه) . 
ولايستقيم أمر مقاربة البياتي لفكرة الموت والحياة وتلون الوجود بمهيمناتهما من دون أن يمد بصره بعيداً لتأمل مخاضات الوجود الإنساني الذي شغل بهما منذ حضاراته البعيدة ، ليصل إلى يقينه أننا : " لو محضنا الحقيقة من الرمز، والواقع من الأسطورة ، والممكن من المستحيل لوجدنا أن الثورة وعملية الخلق الفني والإخصاب الأسطوري والبيولوجي عودة إلى الظهور عن طريق الانتقال عبر لحظات التجدد إلى ذات أكثر اكتمالاً "(المصدر نفسه ، ص65) . 
يناقل البياتي رؤاه عن تلك الثنائية الشاغلة الي حيث فضائه الشعري فيداولها موضوعة يتماهى نصه فيها منذ عنونته. فإذا ما وضعنا جانباً ديوانيه السابع (كلمات لاتموت ـ 1960) والثاني عشر (الموت في الحياة ـ 1968) اللذين استدرج بين طيات عنونتيهما مفردة (الموت) ، فإن لديه في دواوينه الأخرى أكثر من ثلاثين نصاً اشتغلت كلها على تجليات الثيمة ذاتها، وتلك النصوص تصلح أن تكون ديواناً لصداح رؤاه ومواقفه ومنذ مراحل مبكرة في تجربته الشعرية . ولعل في تفحص ذلك المدد الموضوعاتي والجمالي ما يهيئ للرصد القرائي أن ينجز قراءة وافية لرؤى بياتية شاسعة التمثل . ولأن ذلك الأمر حيزه أكبر من قراءتنا الموجزة هذه فسنكتفي بالإشارة إلى عتبة (العنونة) بوصفها منطقة تمثل سوف تلقي ببعض ظلالها على المتن النصي وتقولاته. 
يورد البياتي في ديوانه الأول (ملائكة وشياطين ـ 1950م ) العنوانات الآتية : في مقابر الربيع ، أكاد أموت ، ليختم الديوان بقصيدة عنوانها(نهاية) آخرها المقطع الآتي :
أنا والزمان سنلتقي
.... في ذلك الدير البعيد
حيث العيون الظامئات الى الجديد
تبكي ، وتسأل : كيف مات تشوقي"
فأعود أرسم في الجدار خيالها
وأعود أمحوه ،
وأرسم من جديد
طل المحال ، وأستعيد
وهناك حيث الهاربون من القيود
سأظل أحفر في رماد تحرقي
حتى أموت
وبعدها فقد توالى حضور مفردة (الموت) وكشوفها الدلالية في عنوانات نصوص دواوينه اللاحقة : ربيعنا لن يموت ،الشعر والموت ، الموت في الخريف ، الموت في الظهيرة ، الشعر والموت، حتى الموت، كلمات لاتموت، الموت والزمان، الموت في المنفى ، موت المتنبي، الموت ،الموت في غرناطة، الموت في الحب ، عن الموت والثورة ،عن الميلاد والموت ، موت الاسكندر المقدوني ، ميلاد عائشة وموتها ، أحمل موتي وأرحل ،عن موت طائر البحر، عن وضاح اليمن والحب والموت، ميلاد عائشة وموتها، تحولات نيتو كريس في كتاب الموتى، أحمل موتي وأرحل، عن موت طائر البحر، قصائد عن الفراق والموت ، الموت في البسفور، الموت والقنديل، أولد .. وأحترق بحبي .
لقد بدا أن البياتي ـ ومن خلال الإلحاف على تداول ثنائية (الحياة والموت) ـ أكثر انشغالاً بالثاني عن الأولى التي كثيراً ما داخلها فيه وتناساها لغاية جدله المتواتر معه ـ في الشعر وخارجه ـ جاعلاً ذلك من بين مستلزمات مواجهته له ، والانتصار المؤقت عليه ، وتذكيره له أنه يعرفه ويعاينه ويرصد حركته وفعله في الوجود والبشر والكون والطبيعة . 
وربما أضاف ـ ضمن الدريئة ذاتها التي واجه بها الموت طويلاً ـ مسعاه في الرحيل بين مدن العالم ، مكيفاً أمره كمعادل موضوعي للحياة التي يمدها بعمر مضاف كلما نفض جناحي وقته إلى مكان جديد . وكأنه كان على بينة من أن الاستكانة الى مقام مكاني نهائي هي الموت ، كالذي واعده منذ زمن طويل ، كي يلتقيا أخيراً في دمشق، فيسلمه جسده ، وصوته المشحون بدفئه مايزال يردد :
مت من الحياة ، لكنني 
مازلت طفلاً جائعاً يبكي
كدودة تقرض تفاحة
كان هو الموت ، وكالسيرك
مهرج يسرقنا خلسة
ونحن في دوامة الضحك

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: 14 رسالة عن الموسيقى العربية

تصورات مغلوطة في علم السرد غير الطبيعي

حينَ تَشْتَبِكُ الأقاويلُ

رواء الجصاني: مركز الجواهري في براغ تأسس بفضل الكثير من محبي الشاعر

ملعون دوستويفسكي.. رواية مغمورة في الواقع الأفغاني

مقالات ذات صلة

علم القصة - الذكاء السردي
عام

علم القصة - الذكاء السردي

آنغوس فليتشرترجمة: لطفيّة الدليميالقسم الثاني (الأخير)منطق الفلاسفةظهر الفلاسفة منذ أكثر من خمسة آلاف عام في كلّ أنحاء العالم. ظهروا في سومر الرافدينية، وخلال حكم السلالة الخامسة في مصر الفرعونية، وفي بلاد الهند إبان العصر...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram