TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العنصرية والتعصب والفرضيات المساندة

العنصرية والتعصب والفرضيات المساندة

نشر في: 16 أغسطس, 2014: 09:01 م

يعتقد أن العنصرية الحديثة في أوروبا تعززت سنة 1853 عندما قدم دبلوماسي فرنسي اسمه الكونت جوزيف أرتور دي جوبينو بحثا بعنوان ( دراسة حول اختلاف الأجناس البشرية ) الذي قال باختلاف درجات الذكاء بين الأجناس المختلفة التي قسمها بطريقة لاتنتمي الى الدراسات العلمية الرصينة . وقد رحبت الدوائر الاستعمارية بهذا الطراز من البحوث لترسيخ هيمنتها على الأجناس التي اعتبروها أدنى ذكاء وتطورا ، كما احتفت الأرستقراطية الأوروبية بهذه البحوث التي أرضت غرورهم وأثبتت مقولة ( الناس يؤيدون من يقول لهم مايحبون سماعه.)
وعلى هذه الأسس الواهية اشتد عود العنصرية الحديثة التي ترافقت مع ازدهار الصناعة والتوسع الاستعماري عندما بلغت الطبقة الثرية والأرستقراطية الأوروبية ذروة التوسع والنمو الاقتصادي والثقافي عند أواخر القرن التاسع عشر ، وكانت تنتظر أية فرضية علمية حتى وان كانت تعوزها الأدلة لتساندها وتثبت لها بأنها وحدها تمتلك الحق في السيطرة على العالم وشعوبه ( الأدنى ذكاء وتطورا).
بعد ذلك قدم العالم صموئيل مورتون بحوثا مقارنة حول حجم الدماغ لدى الأشخاص البيض والسود والصفر وأعلن ان حجم علبة الدماغ لدى السود أصغر من حجمها لدى البيض واستنتج فرضيات غير موثوقة ساعدت على دعم ( العبودية). ثم عمد علماء آخرون بعد ظهور علم النفس التجريبي الى قياس نسبة الذكاء التي تحولت نتائجها بالتدريج الى أساس عنصري للتميز الاجتماعي بين الاطفال والكبار على أساس مؤشر حاصل الذكاء لديهم.
وهكذا استعادت النزعات التعصبية مجدها وتعززت وازدادت وطأة اللاتسامح ، فالمتعصب في أوج عصر التنوير وإعلان فلاسفته عن حرية التفكير وحقوق الانسان والمناجاة بالديموقراطية والتسامح غير أن المتعصبين تشبثوا بنظرياتهم الملغومة وقسموا العالم الى حق وباطل وأسود وابيض واعلنوا ان معارضيهم على خطأ مطلق.
يشير الشاعر بول فاليري في خطاب شهير له في جامعة السوربون سنة 1932 قبل عام من صعود النازية الى أن ( اللاتسامح يمكن إرجاعه الى هوس النقاء ) ومعروف أن النازية كانت مهووسة بتميز العرق الآري فمارست التطهير العرقي لحفظ نقاء العرق الذي سمي بالآري خطأ ، فمصطلح الآري انحدر الى العالم من الهند كما يخبرنا غلين دانيال في كتابه (الحضارات الاولى – الأصول والأساطير- ترجمة سعيد الغانمي ) وأن لفظة (الآرية) لاتعني عرقا بل هي مصطلح لغوي وتسمية لطبقة اجتماعية اطلقه غزاة الهند الناطقة بالسنسكريتية- على أنفسهم كونهم آريين "نبلاء" وباتساع استخدام المصطلح صار يدل على الشعب الذي كان يتكلم تلك اللغة الآرية، غير أن الدعاية النازية استخدمت المصطلح ولوت عنقه لصالح عنصريتها في تبنيها لفكرة تميز العنصر الآري موحية بأن الآريين شقر وزرق العيون حسب المحددات النازية للمظهر الخارجي للعرق الآري بينما وصف غزاة الهند السكانَ الهنود بأنهم ( داسوس) أي سود البشرة و لايتكلمون اللغة الآرية وعاملوهم بمزيج من الاحتقار والتخوف والعنف الدموي كما يحدث في الحروب والغزوات عادة عندما تتعرض الجماعة المغلوبة للإبادة أو العبودية أو التنكيل والاغتصاب .
لايريد المتعصبون معرفة أسباب تعصبهم وتفكيكها فهم موقنون من امتلاك الحقيقة المطلقة التي لايمكن الجدال فيها ويدعون الآخرين الى الايمان بما يؤمنون به عنوة وإذا رفضوا فإن جزاءهم التهميش او الإقصاء والتصفية الجسدية وهي أقصى ماوصلت اليه نزعة اللاتسامح بتفشي الإرهاب المنظم في أيامنا ضد الأديان المختلفة، ولم يكن التشدد يوما حكرا على دين أو عقيدة بل هو سمة لكل مسعى توسعي عنيف ينتهجه دين أو معتقد ايديولوجي ليزيح العقائد السابقة له.
يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram