TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > "محاكمة القرد" والأصولية المعاصرة

"محاكمة القرد" والأصولية المعاصرة

نشر في: 23 أغسطس, 2014: 09:01 م

لكل الأديان جانبها الأصولي المتشدد ، فكما تخبرنا الباحثة في تاريخ الأديان والأصولية الدينية الكاتبة والبروفيسورة "كارين ارمسترونغ" بأن "لكلّ دين من الأديان السائدة في العالم أصوليّته الخاصة : فثمة أصولية بوذية ، و أصولية سيخية ، و أصولية هندوسية و حتى أصولية كونفوشيوسية لكن يجري التركيز غالبا على الأصوليات اليهودية و المسيحية و الإسلامية لأنها الأكثر شيوعاً و تأثيراً في عالمنا المعاصر"
ظهرت الأصولية الحديثة في أميركا كما تؤكد المصادر المختلفة ومنها كتب وبحوث ارمسترونغ إضافة إلى مايذكره ياكوبوتشي في كتابه " أعداء الحوار" في كشفه لنهوض الأصولية في أميركا مطلع القرن الماضي لمواجهة الحداثة والتسامح وحرية الضمير والفصل بين السياسة والدين.
تؤكد الحقائق المرئية على الأرض أن فكرة "الأمة " سواء الأمة القومية أو الأمة الدينية ساعدت على تنامي الأصولية لدى الأديان والقوميات التي تملك هاجس التوسع كالدولة الإسلامية عابرة حدود الأوطان والقائمة على فكرة أمة تمثل دينا واحدا والدولة اليهودية التي تعتمد الدين عنوانا لها ،وهي دول تتغاضى عن خصوصيات الشعوب والأقليات. تقف الدولة الديموقراطية الحديثة موقفا مغايرا في حمايتها للفرد ولكنها تنتهي بأن تضع حقوق الأقليات في المرتبة الثانية . ورغم جميع ادعاءات الدول ذات الديموقراطيات الجديدة بأنها تحمي الإنسان "المجرد من الانتماءات " إلا أنها واقعيا وعمليا تتملص من حماية الأقليات أمام قوى مسلحة متشددة وتبقى معنية بالدفاع عن مكاسبها ومعتقدات الغالبية الحاكمة. وهذه الدول التي ترى في الديموقراطية مجرد صناديق اقتراع كما حدث في العراق - ينشغل الإعلام الرسمي بنشر الرؤى الخاصة بالنخب الحاكمة والترويج لتدخلها في خصوصيات الجماعات المختلفة وتفاصيل حياة الأفراد بينما تُهـْمَل التنمية البشرية والإعمار وترسيخ حقوق الانسان التي تتطلبها قيم الحداثة فهي تتوسل الديموقراطية للوصول الى السلطة لكنها تمارس الاستبداد الاوليغاركي في التطبيق العملي ، ما يساعد على تنامي أصولية حاكمة ستؤدي الى استقطابات خطيرة وظهور أصوليات متشددة بالمقابل-.
تذكر البحوث المتعلقة بالأصولية الحديثة أن سنة 1925 كانت منطلقا للأصولية المعاصرة في أمريكا لمواجهة الحداثة و قيم التسامح وحرية الضمير ،عندما قدم الأصوليون مدرس علوم الحياة "جون سكوبس" في مدينة دايتون بولاية تينيسي الى المحاكمة في قضية سميت ( قضية القرد) لأنه عرض نظرية داروين في النشوء والارتقاء أمام تلاميذه ،ويمنع قانون الولاية الاعتراف بهذه النظرية وقد وصفت الصحف هذه القضية آنذاك بأنها ( قضية القرن ) وكعادة القضايا المثيرة استغل بعض الكتاب الموضوع وألفوا كتبا عديدة ومسرحيات وأُنتجت أفلام وأعمال تلفزيونية عن المحاكمة ,تصدى كبار المحامين للادعاء و آخرون للدفاع عن قيم الحداثة والعلم في البلد ألأكثر تطورا وانفتاحا على قيم الحداثة ، وحين أفرجت المحكمة عن المدرس وألزمته بدفع غرامة مائة دولار ،تراجع الأصوليون وفشلوا في منع تدريس نظرية داروين وصمتوا زمنا وبدا أنهم انسحبوا من المشهد العام الذي أعلن غضبة كبيرة على معاداة الأصولية للحداثة ، لكن الأصوليين لم يهزموا بل شرعوا بتنظيم صفوفهم و تهيئة وسائل ثقافتهم المضادة من كنائس و مدارس أنجيلية و امبراطوريات إعلام مكتوب و راديو و تلفزيون وتمكنوا من شن الهجوم المضاد نهاية سبعينات القرن الماضي بادعاء تلبيتهم لنداء السماء لإنقاذ أمريكا ، وعاودوا الظهور لينتكسوا مرة أخرى بسبب فضائح أخلاقية طالت رجال كنائسهم ، لكنهم نشطوا بشدة وشنوا الحروب باسم الرب وانتجوا الافلام المنذرة بنهاية العالم كفلم 2012 وساعدوا على نهوض الأصوليات الإسلامية التي تكرس الاستقطاب الديني.
 يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram