TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قراءة في استنساخ الحروب الدينية

قراءة في استنساخ الحروب الدينية

نشر في: 30 أغسطس, 2014: 09:01 م

عقد في القرون الوسطى تحالف مصيري بين الأباطرة والباباوات وتم تسييس الدين وتوظيفه لأهداف السياسة لضمان حماية الثروة والنفوذ وإحكام الهيمنة على عقول الجموع مسلوبة الإرادة وتفاقمت عندئذ حملات الكنيسة على المفكرين بتعذيبهم وحرقهم والاستيلاء على ممتلكاتهم بحجة هرطقتهم وزندقتهم وتواصلت حملات حرق الغنوصيين والاريانيين والمانويين وبعض المسيحيين الذين تجرأوا وناقشوا موضوع الخير والشر والإله الرحيم واعتبر البابا "اينوتشينسو الثالث" أن " المهرطقين أشد خطرا من الكفار" وهو الشعار ذاته الذي ترفعه القاعدة وداعش في شنها للحروب ذات القناع الديني على من يختلف معها وقد سبقتها اليه ادعاءات الكهنوت والحملات الصليبية على المشرق.
في مواجهة هيمنة الكهنة وتسييس الكنيسة وتسييرها للحكام والأباطرة باعتبارهم مخولين من السماء لممارسة السلطة المطلقة وقف كثير من المسيحيين ضد تلك الهيمنة وناهضوها فحصلت تمردات في إسبانيا وجنوب فرنسا لكن الجيوش الصليبية المتحالفة حسمت الأمر واجتاحت المدن ومنها مدينة بيزيير الفرنسية سنة 1209 وسجل مؤرخو الحملة سؤال احد قادة الجيش الصليبي لمندوب البابا في الحرب " كيف بوسعنا في المدينة المفتوحة ان نتعرف على الكاثوليك الصالحين الحقيقيين ونميزهم عن الزنادقة المعارضين ؟" فأجابه مندوب البابا المشهور بتعصبه وهو المصاحب للقائد الصليبي الشهير سيمون دو مونفورت : "اقتلوهم جميعا والرب سيتعرف على أهله."
يبيح أي نوع من التعصب والتشدد إفناء المختلف بحجج متنوعة ولا يتورع المتعصب والمستبد والطاغية عن استخدام جميع الوسائل البشعة والتفسيرات الذرائعية للدين والايديولوجيا والدساتير الوضعية ليفتك بجميع معارضيه حفاظا على سلطته او مكانته المهددة بالزوال فيعمل فتكا بالناس وتدميرا في الأرض.
فقد ادعى المتعصبون الأوروبيون أنهم يرومون تحرير الأماكن المقدسة من الطغيان الإسلامي فكانت الحملات الصليبية عسكرية ذات غطاء ديني في ظاهرها وذات أهداف سياسية واقتصادية في حقيقتها وعلى أساس هدفها الديني المعلن انضمت حشود الفقراء الجياع الطامعين باللقمة والفردوس الى الحملات مثلما يحصل اليوم مع الشباب المحرومين مغسولي الأدمغة ممن ينتمون للقاعدة وداعش مخدوعين بوعود آخروية ورشا دنيوية جنسية - إذ كانت الحملات الصليبية تجند بالقوة مجموعات من البغايا والسبايا للترفيه عن المقاتلين ومن التحق بهم من الشباب الذين فروا من استعباد الإقطاعيين لهم ولكن سرعان ماكانوا يلقون حتوفهم أو يسرق تجار العبيد أفواجا منهم لبيعهم عبيدا على سواحل مصر وتركيا.
استفادت أوروبا ثقافيا من الحضارتين البيزنطية والإسلامية في حملاتها الفاشلة عسكريا ولتجنب المواجهات المتواصلة التي انهكت اقتصادها وجيوشها وعجزها أمام الهيمنة العربية والعثمانية على حوض المتوسط توصل الحكماء من الطرفين الى عقد اتفاقات تعايش وتبادل تجاري وثقافي غير أن اختراقات كثيرة كانت تجري كعمليات القرصنة واخذ الرهائن وسبي النساء، ومقابل ذلك قام العثمانيون وبدهاء ماكر باختيارعدد كبير من المرتدين المسيحيين ( المتحولين الى الإسلام ممن كانوا يعاملون كطبقة أدنى في كنائس بلاد الصرب ) ووضعوهم في أعلى المناصب في الإمبراطورية العثمانية ثم خفتت بالتدريج المواجهة ذات الطابع الديني بعد تدمير القسطنطينية عاصمة بيزنطة تدميرا كاملا في الحملة الصليبية الاخيرة.
فجرت الحرب الصليبية التي بدأت سنة 1095حروبا ممتدة عمقت الهوة بين العالمين الغربي والإسلامي ولكن الأوروبيين - كما يذكر مايكل انجلو ياكوبوتشي في كتابه "أسباب اللاتسامح ومظاهره" وكانوا يعيشون ظلمات القرون الوسطى اغترفوا من الإنجازات المادية التي أنتجتها الحضارة الإسلامية كالرياضيات والكيمياء والفلسفة وتواصل التأثر الثقافي حتى ظهرت ثورة ترف غيرت نمط الحياة لديهم حين تعرفوا الى العطور والتوابل والمنسوجات الثمينة المجلوبة من الشرق.
 يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram