TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الرسامة التي زارتها الملائكة في مرسمها

الرسامة التي زارتها الملائكة في مرسمها

نشر في: 5 سبتمبر, 2014: 09:01 م

لم اكن أعرف الرسامة الفرنسية سيرافين ( 1864- 1942) قبل أن أشاهد الفيلم الذي تناول حياتها . كانت لحظات جميلة وأنا أراها وأرى معالم حياتها تتضح أمامي بعد مشاهدة هذا الفيلم الذي أنتجته فرنسا وبلجيكا معاً ، وقامت بدور سيرافين الممثلة البلجيكية يولاندا مورو وأخرجه الفرنسي مارتن بروفوست ، وقد حصل الفيلم على جوائز عديدة وثناء من الجميع .
هنا لدينا رسامة مختلفة ، رسومها غريبة وحياتها أكثر غرابة . توفيت والدتها وهي في سنتها الأولى وأهملها والدها وهي في السابعة ليرتبط بامرأة أخرى فأجبرتها الظروف في صباها للعمل كراعية للأغنام ، وفي فترة مراهقتها التحقت كنادلة في بيت للراهبات ، ثم بعد سنوات طويلة حصلت على عمل كمنظفة في بيت عائلة من الطبقة المتوسطة وقد ابتدأت الرسم في سن الأربعين حيث اكتشفها جامع اللوحات فيلهلم أوده ذو الأصول الألمانية المعروف بحبه وجمعه للوحات فنانين كبار مثل بيكاسو وبراك ( اشترى أول لوحة من بيكاسو سنة 1905 ) وقد قام ببيع بعض لوحاتها التي عادت عليها ببعض النقود ، هي التي كانت توفر نقوداً قليلةً جداً من عملها في التنظيف لتشتري الألوان وبعض حاجات الرسم الأخرى وأحياناً كانت تصنع الألوان بنفسها من الأعشاب وبطريقة بدائية . ولعدم توفر النقود في الغالب فقد اضطرت في احدى المرات الى أن تسطو ليلاً على المخزن الذي يبيع لها أدوات الرسم لتسرق مجموعة من الألوان وعدة أمتار من الكانفاس وبعض الاشياء الأخرى التي تستعملها في تنفيذ أعمالها .
تنتمي أعمال سيرافين الى المدرسة البدائية في الرسم على غرار مواطنها هنري روسو لكن حياتها أقرب الى حياة فنسنت فان غوخ ، بل هي برأيي تمثل الجانب الأنثوي لفان غوخ حيث الجنون والفاقة وعدم الاعتراف . فبعد أن سوّق لها فيلهلم أوده بضعة أعمال حصل كساد اقتصادي في أوروبا ولم يشتري احد لوحاتها فساءت حالتها المادية والصحية كثيراً وعانت من ذهان مزمن وضعت على أثره في مستشفى للأمراض العقلية وتوقفت عن الرسم حتى توفيت أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا .
كانت سيرافين تعالج لوحاتها بعفوية وجرأة وحرية كبيرة ، تضع قماشاتها على الأرض وتنكب عليها وهي ترسم وبجانبها كأس نبيذ رخيص ، وهي قليلاً ما ترسم بالفرشاة بل كانت أصابعها هي الأداة التي تضع الألوان وتحركها على قماشة الرسم بشكل دائري لتنسج أشكالها الغامضة التي تحيلنا دائماً الى أوراق الأشجار والنباتات الغرائبية ، تنشر أشكالها بطريقة أخّاذة وهي تملأ بها كل سطح اللوحة ماعدا الحافات التي تتركها مفتوحة ، تغلق باب المرسم وتنسجم مع عالمها الوحيد ، تعتزل الناس ولا تفتح الباب لأحد . أنها امرأة من زمن مضى لكن لوحاتها بقيت تحمل كل هذا السحر ، هي التي انتظرت طويلاً من يزيل عنها غبار النسيان ويخفف آثار فجيعتها ومرضها وعزلتها . سيرافين لم تبح بالكثير ولم تتواصل مع ناس عديدين وليس لها أصدقاء ، لها وحدتها وأعمالها والملائكة الذين تتخيلهم يساعدونها في الرسم ، انها تبدو كما لو أنها جاءت من عالم سري بعيد ، عالم غير مادي .
حتى المصورة التي أرادت أن تصور لها صورتها الوحيدة وهي بجانب لوحتها سألتها باستغراب ( لماذا تنظرين الى الأعلى ؟ أنظري أليّ كي أصورك بشكل جيد ومناسب ) فردت عليها سيرافين ( أنا أنظر الى الملائكة ، هؤلاء هم أصدقائي وهم الذين يساعدونني دائماً في الرسم ويمنحونني هذه الأشكال ) . هكذا مضت رسامتنا الساحرة الفقيرة وبقيت أعمالها التي تحتضنها الآن متاحف كثيرة ومهمة مثل متحف مايول في باريس ومتحف شارلوتا زاندر في بونخهايم ومتحف الفن البدائي في نيس ومتحف الفن الحديث في ليل وغيرها الكثير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram