TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > فنانة عراقية بين عباءة الصحراء ونساء كليمت

فنانة عراقية بين عباءة الصحراء ونساء كليمت

نشر في: 19 سبتمبر, 2014: 09:01 م

ترى هل تكفي الموهبة وحدها للمضي بشكل صحيح ومؤثر في درب الفن الطويل والملون والجميل والشاق أيضاً ؟ أعتقد بأن موهبة الفنان هي جانب من العملية وليست كلها ، كذلك يلعب الحظ دوراً صغيراً جداً أيضاً حين تختار بوصلته هذه الخطوات دون غيرها لقطع الطريق. مسألة نجاح الفنان تعتمد على تفاصيل كثيرة مجتمعة تؤدي في النهاية وتشير الى تأثيره وقوة حضوره وأبداعه. حتى الغربة تشكل جانباً من هذه الجوانب وهي تجعل فردية الفنان عالية وتمنحه القدرة على التفكير بالكثير من الحلول لإنتاج أعماله، وهو من ناحية يستلهم الكثير من المكان أو البلد الذي جاء منه، كذلك يستفيد كثيراً من التقنيات والمناخ الفني للبلد الجديد الذي يعيش فيه. أقول ذلك وأنا أتطلع الى أعمال مصممة الأزياء العراقية سبأ طارق التي تعيش في هولندا وتقدم أعمالها بكل ثقة وثبات وإبداع ، بعد أن درست تصميم الأزياء في جامعتين مختلفتين في هولندا لتتفرغ لعملها وأبداعها، هذه الفنانة التي ولدت في العراق وجاءت الى الأراضي المنخفضة وهي صغيرة، تعرض الآن آخر تصاميمها في متحف مدينة أوترخت وسط هولندا، تحيطها متابعة المهتمين والباحثين عن الجديد في عالم الأزياء . سبأ مازالت في منتصف العشرينات من عمرها حيث تقضي ساعات طويلة من اليوم وأحياناً يمرُّ جزء من الليل على ستائر مشغلها وهي غارقة وسط نسيج الأقمشة والتصاميم، محاولة أثبات شخصيتها الفنية من خلال لغتها التي تجيدها جيداً وهي لغة التصميم وصناعة أزياء مبتكرة ومؤثرة وجديدة . هكذا تعيش بين عالمين، الأول هو أصولها العراقية التي تعتز بها والثاني هو هولندا البلد الذي احتوى موهبتها بعد أن درست وتعلمت فيه . لهذا ليس غريباً أنها استلهمت من الشرق عباءة الصحراء و وضفت نسيجها في أعمال إبداعية مدهشة، ومن جانب آخر عرفت كيف تتحسس أعمال الآرت ديكو واليوغندستيل وهي تضع على تصاميمها أشكالاً تبدو مستوحاة من أعمال الرسام الفذ غوستاف كليمت أو حتى من الأشكال الهندسية للرسام الهولندي موندريان الذي ولد في نفس المقاطعة التي تعرض فيها الآن .
هكذا تعرض هذه الفنانة المجتهدة تشكيلة جديدة من تصاميمها والتي سمَّتها ( بدو 2014 ) والتي تقول بأنها قد استلهمت الكثير هنا من عباءة الصحراء ونسيجها الفريد. في تشكيلتها الجديدة تقدم لنا أزياء في غاية السحر والغموض الذي يلفه اللون الأزرق ودرجاته التي تصل الى البنفسجي، إضافة الى الإكسسوارات غريبة الأشكال التي تضيفها على أزيائها وحتى الريش وبعض الأحزمة المصنوعة من قماش يناسب تصاميمها ، كل ذلك جعل هذه الفنانة صاحبة الموهبة المتقدة تقدم أعمالاً غاية في التأثير، هي التي استطاعت بالفعل أن تدير موهبتها بشكل صحيح في بلد مثل هولندا لا يعترف بالمواهب الصغيرة ولا بأنصاف الحلول حين يتعلق الأمر بالجمال والأبداع ، هولندا التي لا تعطي الفرص لمن يمتلكون المواهب ، فهي لديها الآلاف من ذلك، بل تعطي الفرص لمن يستطيعون أن يؤثروا بمواهبهم ويفتحون نوافذ أبداع جديدة ، وسبأ طارق هي واحدة من هؤلاء بالتأكيد ، وهي هنا فتحت نوافذ أبداعها وحولت النسيج والأقمشة الى مهرجان ملون وحرَّكت أزيائها المليئة بالحياة على أجساد العارضات مثلما حركت ماكنة حياكة قديمة مضى عليها قرنان من الزمان عثرت عليها في مكن مهمل بعد أن توقفت عن العمل ولم يلتفت اليها أحد فأعادت لها الحياة من خلال يديها المبدعتين وحساسيتها العالية التي تنظر الى الماضي والمستقبل وكل ما حولها بعين تحيل بضعة خيوط من النسيج الى قطعة فنية أخّاذة . تحية الى مبدعتنا الشابة التي أتوقع لها مستقبلاً باهراً وهي تقدم أزيائها ببصمة عراقية دافئة على الأراضي الهولندية الباردة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram