TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أوسكار كوكوشكا، ثالث النمساويين الكبار

أوسكار كوكوشكا، ثالث النمساويين الكبار

نشر في: 14 نوفمبر, 2014: 09:01 م

هكذا كانت مفاجأة متحف بويمانز في مدينة روتردام الهولندية وهو يعلن عن افتتاح المعرض الذي خصصه للفنان النمساوي أوسكار كوكوشكا ( 1886- 1980) ، هذا الفنان الذي تنوعت أعماله بين رسوم الحيوانات ومناظر المدينة والمناظر الطبيعة ، لكنه تخصص بشكل عام في رسم البورتريت وبالأخص البورتريهات المزدوجة التي ضمت أكثر من شخص في لوحة واحدة ، حيث كانت الشخصيات التي تجلس ليرسمها من مفكري وفناني ومشاهير برلين وفينا عادة ، ونلاحظ هذه المسألة في بداية المعرض حيث تظهر اللوحة التي رسم فيها البورتريت المشترك الذي جمع الطبّاع ومصفف الحروف هانز ماردرستيخ وقبالته يجلس مؤرخ الفن كارل هيسه الذي يظهر مضطرباً نوعاً ما وغير مستقر. وهذه اللوحة هي خير مثال لخطوط فرشاة كوكوشكا وعجائن ألوانه المتحركة والكثيفة والمتداخلة حيث يظهر بين عاصفة الألوان هذه وجه هيسه الأصفر مع لطخة حمراء واسعة مع خلفية زرقاء بلمسات عريضة وخشنة . وفي جانب آخر من المعرض تظهر لوحتان أجواؤهما متقاربه وفيهما رجلان كانا صديقي أوسكار في الفترة التي قضاها في مدينة درسدن ، وقد قرر أن يرسمهما في البداية كبورتريت مزدوج في لوحة واحدة لكنهما بعد أن أخبراه بانهما مثليين ولا يريدان ان تكشف علاقتهما للآخرين قرر عندها أن يرسمهما على قماشتين منفصلتين . عموماً تتوزع البورتريهات التي عرضت في المعرض على فترة زمنية تقارب السبعين عاماً أقدمها كان البورتريت الذي رسمه لنفسه على بطاقة بريدية وأرسله الى احد أصدقائه .
في تلك الفترة من بداياته الأولى ظهر كوكوشكا الى الوسط الفني في مدينة فينا متمرداً حليق الرأس ورافضاً لفنون ذلك الوقت ، وقد لاحظ الآخرون مباشرة موهبته وقوة تأثيره من خلال مشاركته في المعرض الذي أقيم سنة 1908 للفنانين الشباب . وقد بيعت بعض تخطيطاته وتحدث النقاد والفنانون عن أعماله بمن فيهم غوستاف كليمت الذي كان يدرسه الرسم ، كليمت العبقري وصف تلميذه وقتها بأنه أفضل موهبة في الجيل الجديد ، وهذا يعني الكثير لفنان شاب ينتظر أية اشارة أو تلميح إيجابي من صاحب لوحة القبلة . بعد هذا المعرض بفترة قصيرة عرفه الناس من خلال الافيشات اتي رسمها لبعض المسرحيات مثل مسرحية القاتل التي اصبح أفيشها فيما بعد احدى أيقونات التعبيرية ، وقد لاحظ النقاد في هذا العمل تأثره الواضح بلوحة القبلة لأستاذه غوستاف كليمت ، رغم أن لوحة كليمت تظهر فيها نعومة الحب والنشوة والرومانسية بينما يظهر الموت واضحاً من خلال يدي الرجل الذي يطبقهما على عنق المرأة . تأثر كوكوشكا بأعمال النحات جورج مينه كذلك بأعمال رسامين مثل أدوارد مونش وفان غوخ ، وقد ربطته علاقة بجماعة الفارس الأزرق وشاركهم في ثاني معارضهم سنة 1912 في مدينة ميونخ .
في كل أعماله يتضح اهتمام كوكوشكا بأعماق الأنسان وجوانياته ، وهو يظهر لنا ذلك بتعبير عنيف ومباشر من خلال كثافة الألوان وطبقاتها المتكدسة فوق بعضها ، وكذلك خطوط فرشاته التي تنسحب مثل السياط على قماشات الرسم لتحيل وتعطي لهذه الشخصيات حياة مفعمة بالدراما والتأمل المليء بتساؤلات النفس البشرية وما تكتنفه من غموض وأسرار . في كل الأحوال يعتبر كوكوشكا في تاريخ الفن واحدا من أعظم ثلاثة فنانين أنجبتهم النمسا أضافة الى غوستاف كليمت وأيغون شيله اللذين ماتا سنة 1918 بسبب الانفلونزا الإسبانية التي انتشرت في أوروبا آنذاك ، بينما عاش أوسكار حتى سنة 1980 بعد أن غادر النمسا في شبابه متنقلاً بين الدول ، وقد طبقت شهرته الآفاق وخاصة في العشرين السنة الأخيرة من حياته ليعود بعدها الى بلده النمسا لتستمر الاحتفالات كثيراً به وبما يليق بتاريخه العظيم وأعماله المهمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram