TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > في محاق الأمل !! مقاطع من كتاب "الحرب والمنفى"

في محاق الأمل !! مقاطع من كتاب "الحرب والمنفى"

نشر في: 29 نوفمبر, 2014: 09:01 م

في بغداد ، ينحدر الزمن في هاوية من لهب ،ينحطّ الوضع البشري الى حضيضه في بحر من دماء وتعول الريح بصرخات الفناء ، و يجرفنا أوان الفجر والغسق نحو مصائرنا الجحيمية المحتومة ،فقد كان مقدرا أن ننتهي هذا اليوم ضحايا عبوة ناسفة لمرتين: إحداهما في شارعنا والثانية جوار المجلة.
نجونا من تبادل إطلاق نار كثيف قرب تمثال أبي جعفر المنصورالذي أطاح به المتشددون ،اجتزنا أزقة موحلة ومنعطفات موبوءة بالإرهابيين وبقايا انفجارات وأشلاءٍ حتى بلغنا شارع الكندي ودخلنا زقاقا كنا نخاله آمنا فوجدناه موصدا، ثم سمعنا انفجارا زلزلنا وعرفنا أنه تم تفجير عبوة ناسفة كانت مزروعة على رصيف قرب مبنى المجلة.
الساعة 1
يصل ضيوف حفل الشاي أعضاء أسرتَيْ تحرير مجلتَيْ "جدل" و"مسارات" احتفاء بصدور العدد
الأول من مجلة "جدل" ، كتّاب وأكاديميون وشعراء وباحثون وروائيون، نناقش إمكانيات التعاون بين مجلاتنا لتخطي المصاعب الفنية والطباعية والمالية ومواجهة تدخلات الأحزاب الدينية المهيمنة على السلطة وتهديدات الميليشيات التي تلاحق حيواتنا وأحلامنا.
نهنئ رئيسيْ تحرير المجلتين المحتفى بهما بباقتي زهور، يناقش الحاضرون المعضلات التي تواجه عملنا في أوضاع خطيرة تتفجر كل لحظة بالمزيد من الأهوال والتهديدات التي تستهدف الحريات والثقافة والفكر المتنور والنساء بشكل خاص ..
الساعة الثالثة
أنجز كتابة رؤية أولية لمشروع ندوة "الثقافات العراقية ، الخصائص والمشتركات" لفتح حوار مكاشفة بين ثقافات الأعراق والقوميات والأديان وتحديد العناصر المشتركة التي أسهمت في إغناء ثقافة العراق ونمائها وتنوعها ، وهي مايسعى المتطرفون الآن لتحويلها إلى بؤر صراع متفجرة بين الطوائف والأعراق، ونقترح أسماء الباحثين و المفكرين والكتاب من مختلف الأعراق والأديان والقوميات ،يقر الأعضاء المشروع آملين الكشف عن تشابك أرواحنا وعاداتنا وتلاقح ثقافاتنا.
الساعة الخامسة
أعود إلى مقر المجلة في حي”الحارثية“ عبرطرق خطرة بعد إغلاق طريق حي”القادسية“ العام المحاذي للمنطقة الخضراء ، لاوجود لخدمة الإنترنت في مبنى المجلة لانقطاع الكهرباء وعطل المولدة، وعليّ المغادرة مسرعة إلى البيت لإنجاز أعمال المجلة والطريق مشتعل بالمواجهات والعبوات الناسفة والقوات الأميركية ترابط على مفارق الطرق ومداخل الشوارع والسائق يناور بين الأزقة ليتخذ طريق"المطار الدولي"، وخلال ربع ساعة توقفنا الدوريات عشر مرات، يشتبهون بنا ، ويدققون في وجوهنا ونبضنا وكلماتنا الراجفة ، مداخل الأحياء مغلقة ولابد من الدوران حول أطراف العامرية غربا عبر حي الجهاد لنصل إلى شارعنا الذي تقف على مدخله دبابتان أميركيتان ، بالكاد أستطيع فتح باب البيت في العتمة والهلع.
الساعة السادسة
الليل يوغل في سواده ،أشغل مولدة الكهرباء وأرى أغلفة رصاص و آثار أقدام على الممر بقايا مواجهات الظهيرة ، أترنح فتميد بي الرجّة القاتلة ويصطدم جبيني بإطار الباب، أستلقي على الأريكة وأوصد وحشتي على دموعي.
من يستل العبرات من صوتي؟ من يضيء زاويتي في محاق الأمل وأنا أتشبث بالوطن وأقف وحيدة في عين الإعصار؟ من يمنحني وطنا لا يغصّ بالموتى والقتلة؟ متى يغادرنا الجنون لنغفو؟ متى يموت الموت لنحيا؟ متى تنخسف الظلمات لأفيق من ليل الخرافة وعصر السبي؟
سأدخل الليل الشقي بحروبه العمياء وأهيئ وجبة النجاة التي أتناولها كل ليلة متبلةً بدموعي وزهور الخشخاش القرمزية التي أزرعها وأتعاطى رحيقها الأبيض المرّ منوما في ليالي أرَقي ،أحتضن الأرغفة الباقية والقصص وتقويم الندم وأشلاء الكلمات وأتجاهل الموت فما عدت أرهبهُ لطول ما تآلفت مع الموتى في الطرقات وأمام نوافذي وفوق الجسور ورأيتهم يطفون في مياه دجلة كزهور حزينة تلتهمها أفاعي الماء والإنكار.
 يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram