في تقرير عن معاقي المغرب عرضته إحدى القنوات الفضائية شاهدت فتاة فقدت ذراعيها وترسم بقدميها لتعيل أسرتها ونحاتا كفيفا يصور أشكالا بديعة دون ان يراها وعرضا مسرحيا وموسيقيا يمثل ويغني ويعزف فيه فنانون كفيفون ..كانوا جميعا يتحدثون برضى ولا يشوب ملامحهم ألم لأنهم وجدوا أكفا تمسح عن كواهلهم عبء عوقهم وتحتضن ابداعهم وتفتح لهم ابواب الأمل فالعوق في الدول العربية اقل بكثير مما هو عليه في العراق لأنه ولادي غالبا يرافق الفرد ويعتاد عليه فيصبح جزءا منه ويجد صاحبه دائما من يرعاه ويذلل متاعبه ، اما لدينا فالأمر يختلف منذ ان صار الأهل يفرحون بعودة ابنهم سالما من الحرب حتى لو فقد ساقا او ذراعا او عينا ..كما ان المعاق لدينا لايعتاد عوقه طالما كان السبب ورائه فعل فاعل ويظل كسير القلب حزين الملامح حتى لو توفرت لديه فرصة عمل وتزوج وانجب ، ذلك لأن حقدا يغلي في اعماقه ويغذي مأساته كلما تذكر تلك اللحظة التي قادته الى الحرب ليصبح معاقا بفعل فاعل ...فهناك شاب فقد بصره في انفجار منذ سنوات ومازال حتى هذه اللحظة بلا عمل ولا زواج وشاب آخر كان يعشق ممارسة كرة القدم وصار لزاما عليه ان يتجاهل عشقه منذ ان ترك ساقه في سيارة اجرة بعد انفجار عبوة ناسفة تحتها ، اما تلك الصبية التي يحنو عليها زملاء والدتها الموظفة كلما زارتهم الى الدائرة فقد صار عليها ان تتجمل بالقناعة والصبر بعد ان فقدت ذراعها اليمنى وفقدت معها آمالها الكبيرة بأن تكون فتاة طبيعية وان تحلم بالحب والزواج كقريناتها ...انهم ( حطب السياسة ) كما يصفهم احد المهتمين بهذه الشريحة والأسوء من فقدانهم حياتهم الطبيعية هو ضرورة اعتيادهم على نظرة المجتمع القاصرة لهم وقلة اهتمام الدولة بهم فهم يتسلمون راتبا ضئيلا من وزارة الشؤون الاجتماعية لايفي باحتياجاتهم خاصة لمن كان معيلا لأسرة وكان يعتمد في عمله على اعضائه المصابة بالاعاقة ...
بعد دخول العراق في اتفاقية الامم المتحدة للمعاقين ، حصل العراقيون على انجاز كبير بأن تم تغيير اسم شريحتهم من ( المعاقين ) او ( ذوي الاحتياجات الخاصة ) التي تسيء لفظيا للمعاق كما يرى بعض المختصين في هذا الشأن فحملوا اسم (ذوي الاعاقة ) وكأن هذه التسمية تمنحهم بعض العزاء وتعالجهم نفسيا من نظرة المجتمع القاصرة لها ..المعاقون العراقيون لاتهمهم التسميات..انهم بحاجة الى ضمان وحماية وعلاج نفسي ينسيهم فقدان اعضائهم ويعودهم على وضعهم الجديد والاهم من ذلك ينتزع من اعماقهم ذلك الشعور المرير بالحقد على الحرب والعنف والارهاب ومن كان السبب وراء كل ماحدث في العراق ...احد المعاقين حصل على عمل بسيط في احدى الدوائر يلائم اعاقته وبات يحصل على راتب لقاء عمله وليس اعانة من وزارة العمل ترسخ شعوره بالعجز ...كان عليه ان يشعر بالفخر او الفرح لكنه ورغم انه حمد الله كثيرا لم يتمكن من نسيان الحادثة التي افقدته ذراعه وكيف تركته حبيبته ..وذات يوم قال انه يتمنى لو يرى كل الناس بأذرع مقطوعة لكي لايكون مختلفا عنهم ....!!
انها ضريبة عراقية يدفعها العراقيون اضافة الى كل الضرائب الاخرى التي اعتادوا على دفعها لسنوات طويلة ومازالوا يدفعونها بانتظام ذلك انهم اعتادوا ان يكونوا دائما حطبا للسياسة ...
حطب السياسة
[post-views]
نشر في: 15 ديسمبر, 2014: 09:01 م