استثارني عنوان مقال الأستاذ العزيز، الشاعر والكاتب علي حسن الفواز في "القدس العربيّ": (أوهام المنهج الأكاديميّ). يضيق الفواز ذرعاً كما يضيق شاعر مثلي بأية منهجية مُعقدة بصرامة، قسرية تدّعى الإحاطة بموضوعها وفق اتباعها إجراءات شكلية تنقصها الحصافة والتوقّد والحسّاسية والإبداع الفرديّ.
نحن نتفق على ذلك تماماً. ولكننا قد لا نتفق على بعض التفاصيل، ولتكن مساحة هذا العمود فسحة موضوع سجاليّ مُحِبّ ومعرفيّ، موصول، ويا للمصادفة، بتدريسي هذا العام في الجامعة لمناهج البحث العلميّ. ولأعترف على الفور باني لا أعرف منهجاً يسمّى بالمنهج الأكاديميّ بصفته منهجاً منفصلاً مستقلاً .أعرف بالأحرى تعبير (المناهج الأكاديمية) الذي يَصِفُ مجموع المنهجيات، المتشابهة أو المتخالِفة هنا وهناك، المُتطابقة أو المُتعارِضة هنا وهناك لكتابة بحث أكاديميّ في أحد فروع المعرفة البشرية.
من جهة أخرى، هل صحيح القول إن " المناهج هي صناعة غربية"؟. وأعتذر عن اقتطاعي للجملة من سياق طويل لن يغيّر فحواها الحالي. هناك العديد من الكتب والمراجع العربية المطبوعة عن مناهج البحث العلميّ في ثقافتنا الكلاسيكية التي لا تقول النتيجة نفسها، رغم طابعها التمجيديّ وإفراطها في تبجيل إرثنا والإعلاء من شأن أسبقيته الافتراضية. إن الطابع الشكلانيّ البارز اليوم في جامعاتنا، عند تطبيق مناهج البحث العلميّ، خاصة في العلوم الإنسانية، كان سائداً وثقيلاً أيضاً، خاصة في الإجراءات التي يقترحها المصدر الرابع من مصادر التشريع، أعني (القياس) التي لم تُتِحْ، في أحيانٍ كثيرة، مجالاً (للاجتهاد) الذي نطالب به أنا والفوّاز دون شك، مع دقتهم المنهجية في تعريفه "حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما في حكم أو صفة".وبطبيعة الحال لا يجهل أحد الرغبة القديمة في تقديم منهجية موضوعية لعلوم الحديث أيضاً، وضبط رجالاته وفق معايير متنوعة تشتغل كلها بالتزامُن كالفسيفساء، رغم الحزازات المذهبية التي نعرفها جميعاً. لن أتحدث عن (الاستنباط) و(البرهان) والحجاج العقليّ وقواعد المناطقة والمتكلمين الذين ذهبوا حدّ اختراع مفردات خاصة بمناهجهم. بينما يبقى المنهج التجريبيّ مَعْلماً بارزاً في العلوم الصرف كالبصريات والكيمياء والطبّ، ومعيار الملاحظة الدقيقة أساسياً في الفلك.
لا يجهل الكاتب الكريم ذلك كله قَطَّ، وأحسبه كان يشدّد على ما كنا نشدّد نحن أيضاً عليه هنا في المدى عند تفريقنا بين (المعرفة) و(استخدام المعرفة) بتاريخ 2015/01/09، وحسناً كان يفعل.
المشكلة الأساسية التي أودّ التركيز عليها، بسبب عنوان الفواز وبعض حيثياته، هي أن المناهج مرتبطة عضوياً ولكن مُداوَرة بنظرية المعرفة. هل ثمة نظرية معرفة، فلنقل معرفة من دون صياغة عقلية متماسكة وتسلسل إجرائيّ وطريق محدّد نجري قطعه خطوة إثر خطوة؟. نستثني من ذلك المعرفة الصادرة عن الفيوض والإشراق والتجلّي الروحانيّ التي لا يمكن غضّ الطرف عنها، لذا لم يكن ممكناً تجاوز ابن عربي قديماً ولا نيتشه حديثاً. لكن (مناهج) الفيض ليست موضوع منهجيات البحث العلميّ التي تقترح أننا نتوصّل إلى نتائج، أقرب للدقة، عند اتباعنا لأدوات محدّدة وترابطات داخلية وخارحية. أعرف أن المفكرين المعاصرين قد فرّقوا بين نظرية المعرفة (الإبستيمولوجيا) والمنهجية (ميتودولوجيا) على أساس أن الأولى هي فلسفة العلوم وتَدْرس نقديّاً المنهج العلميّ والأشكال المنطقية وأنساق الاستدلال العلمية، كما تَدْرس المبادئ والمفاهيم الرئيسية ونظريات ونتائج مختلف العلوم من أجل تحديد أصولها المنطقية وقيمها ومحمولاتها الموضوعية. وأنها بذلك تختلف عن الدراسة الوصفية المنهجية (ميثودولوجيا).الأمر الذي لا ينفي أن استهدافات الإبستمولوجيا كما الميتودولوجيا هي المعرفة نفسها، وليس التوّهم. بالنسبة لجان بياجيه فإن سؤال (نظرية المعرفة): كيف تتشكل المعرفة أو تتولّد هو سؤال في المنهجية عن جدارة.
الدراسة الوصفية ، أي القائمة على مناهج البحث العلميّ، الأكاديمي، تستهدف الوصول إلى معرفة ما. إذا زعمتْ أنها، فقط عبر تطبيق شكليات المناهج، توصّلتْ إلى معرفة ما، وإذا كانت نتائجها ليست من المعرفة بشيء كما هو الحال في الكثير من البحوث الجامعية في العالم العربيّ فإنها تقوم بخدعة مُحْكمة مقبولة على أوسع نطاق.
هل يوجد منهجٌ أكاديميّ؟
نشر في: 27 مارس, 2015: 09:01 م