TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل يوجد منهجٌ أكاديميّ؟

هل يوجد منهجٌ أكاديميّ؟

نشر في: 27 مارس, 2015: 09:01 م

استثارني عنوان مقال الأستاذ العزيز، الشاعر والكاتب علي حسن الفواز في "القدس العربيّ": (أوهام المنهج الأكاديميّ). يضيق الفواز ذرعاً كما يضيق شاعر مثلي بأية منهجية مُعقدة بصرامة، قسرية تدّعى الإحاطة بموضوعها وفق اتباعها إجراءات شكلية تنقصها الحصافة والتوقّد والحسّاسية والإبداع الفرديّ.
نحن نتفق على ذلك تماماً. ولكننا قد لا نتفق على بعض التفاصيل، ولتكن مساحة هذا العمود فسحة موضوع سجاليّ مُحِبّ ومعرفيّ، موصول، ويا للمصادفة، بتدريسي هذا العام في الجامعة لمناهج البحث العلميّ. ولأعترف على الفور باني لا أعرف منهجاً يسمّى بالمنهج الأكاديميّ بصفته منهجاً منفصلاً مستقلاً .أعرف بالأحرى تعبير (المناهج الأكاديمية) الذي يَصِفُ مجموع المنهجيات، المتشابهة أو المتخالِفة هنا وهناك، المُتطابقة أو المُتعارِضة هنا وهناك لكتابة بحث أكاديميّ في أحد فروع المعرفة البشرية.
من جهة أخرى، هل صحيح القول إن " المناهج هي صناعة غربية"؟. وأعتذر عن اقتطاعي للجملة من سياق طويل لن يغيّر فحواها الحالي. هناك العديد من الكتب والمراجع العربية المطبوعة عن مناهج البحث العلميّ في ثقافتنا الكلاسيكية التي لا تقول النتيجة نفسها، رغم طابعها التمجيديّ وإفراطها في تبجيل إرثنا والإعلاء من شأن أسبقيته الافتراضية. إن الطابع الشكلانيّ البارز اليوم في جامعاتنا، عند تطبيق مناهج البحث العلميّ، خاصة في العلوم الإنسانية، كان سائداً وثقيلاً أيضاً، خاصة في الإجراءات التي يقترحها المصدر الرابع من مصادر التشريع، أعني (القياس) التي لم تُتِحْ، في أحيانٍ كثيرة، مجالاً (للاجتهاد) الذي نطالب به أنا والفوّاز دون شك، مع دقتهم المنهجية في تعريفه "حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما في حكم أو صفة".وبطبيعة الحال لا يجهل أحد الرغبة القديمة في تقديم منهجية موضوعية لعلوم الحديث أيضاً، وضبط رجالاته وفق معايير متنوعة تشتغل كلها بالتزامُن كالفسيفساء، رغم الحزازات المذهبية التي نعرفها جميعاً. لن أتحدث عن (الاستنباط) و(البرهان) والحجاج العقليّ وقواعد المناطقة والمتكلمين الذين ذهبوا حدّ اختراع مفردات خاصة بمناهجهم. بينما يبقى المنهج التجريبيّ مَعْلماً بارزاً في العلوم الصرف كالبصريات والكيمياء والطبّ، ومعيار الملاحظة الدقيقة أساسياً في الفلك.
لا يجهل الكاتب الكريم ذلك كله قَطَّ، وأحسبه كان يشدّد على ما كنا نشدّد نحن أيضاً عليه هنا في المدى عند تفريقنا بين (المعرفة) و(استخدام المعرفة) بتاريخ 2015/01/09، وحسناً كان يفعل.
المشكلة الأساسية التي أودّ التركيز عليها، بسبب عنوان الفواز وبعض حيثياته، هي أن المناهج مرتبطة عضوياً ولكن مُداوَرة بنظرية المعرفة. هل ثمة نظرية معرفة، فلنقل معرفة من دون صياغة عقلية متماسكة وتسلسل إجرائيّ وطريق محدّد نجري قطعه خطوة إثر خطوة؟. نستثني من ذلك المعرفة الصادرة عن الفيوض والإشراق والتجلّي الروحانيّ التي لا يمكن غضّ الطرف عنها، لذا لم يكن ممكناً تجاوز ابن عربي قديماً ولا نيتشه حديثاً. لكن (مناهج) الفيض ليست موضوع منهجيات البحث العلميّ التي تقترح أننا نتوصّل إلى نتائج، أقرب للدقة، عند اتباعنا لأدوات محدّدة وترابطات داخلية وخارحية. أعرف أن المفكرين المعاصرين قد فرّقوا بين نظرية المعرفة (الإبستيمولوجيا) والمنهجية (ميتودولوجيا) على أساس أن الأولى هي فلسفة العلوم وتَدْرس نقديّاً المنهج العلميّ والأشكال المنطقية وأنساق الاستدلال العلمية، كما تَدْرس المبادئ والمفاهيم الرئيسية ونظريات ونتائج مختلف العلوم من أجل تحديد أصولها المنطقية وقيمها ومحمولاتها الموضوعية. وأنها بذلك تختلف عن الدراسة الوصفية المنهجية (ميثودولوجيا).الأمر الذي لا ينفي أن استهدافات الإبستمولوجيا كما الميتودولوجيا هي المعرفة نفسها، وليس التوّهم. بالنسبة لجان بياجيه فإن سؤال (نظرية المعرفة): كيف تتشكل المعرفة أو تتولّد هو سؤال في المنهجية عن جدارة.
الدراسة الوصفية ، أي القائمة على مناهج البحث العلميّ، الأكاديمي، تستهدف الوصول إلى معرفة ما. إذا زعمتْ أنها، فقط عبر تطبيق شكليات المناهج، توصّلتْ إلى معرفة ما، وإذا كانت نتائجها ليست من المعرفة بشيء كما هو الحال في الكثير من البحوث الجامعية في العالم العربيّ فإنها تقوم بخدعة مُحْكمة مقبولة على أوسع نطاق.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

هل تعد واشنطن لاتصالات سرية مع إيران؟

قناطر: الزبير والمُستزْبِرون

العمود الثامن: من يحاسب ضباط الداخلية ؟

التحدي الوجودي للمشرق العربي

قناديل: خسر كوبولا ملايينه. هل ربح نفسه؟

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram