TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > زائر المطر

زائر المطر

نشر في: 17 إبريل, 2015: 09:01 م

التواصل مع الناس من خلال الفن شيء رائع ونادر وجميل ويحمل الكثير من التشويق والمفاجآت ، وبشكل شخصي أسعى الى ذلك دائماً وأسحب خطواتي باتجاه كل شخص مهتم بالفن ، أفتح نافذة ملونة للتواصل وألوح بمنديلي نحو كل من يسعى لرؤية أعمالي أو حتى أعمال الآخرين . لكن أن تتحدث مع شخص واحد هو أمر مختلف عن تواصلك مع مئة أو مئتين من الحاضرين في صالة واحدة .
هذا ما اشعر به دائماً عن افتتاح معرض لي ، وهو ما رأيته أيضاً في افتتاح معرضي الجديد ( بغداد في الشمال ) في (غاليري دي لافاي ) حيث اكتظت القاعة بالحاضرين في أجواء فنية خالصة حين افتتحت المعرض الدكتورة شارلوتا هويخنس مديرة متحف باناروما مسداخ والتي تحدثت أيضاً للحاضرين عن أعمالي وتقنيتي ، هي التي تعرفني منذ عرضت في متحف العالم بمدينة روتردام الذي كانت تديره قبل أكثر من عشر سنوات .
بدأ الحاضرون يتلقفون نسخ كتاب ( نساء التركواز )الذي صاحب المعرض وقد صدر باللغتين الانجليزية والهولندية وضم 160 لوحة من لوحاتي . كان الزحام يلف القاعة بالفعل وعدد الحاضرين كبير جداً ، لهذا لم استطع التواصل معهم جميعاً ، وقد فكرت بهذا قبل الافتتاح لهذا قررت مع الغاليري أن يكون هناك يوم آخر نحتفل فيه بتوقيع الكتاب بين لوحات المعرض ليتسنى لأكبر عدد من الناس الحضور وكأنه افتتاح ثان نتواصل من خلاله وسط أجواء فنية رائعة. عموماً أحب الناس الذين يحضرون لمشاهدة أعمالي وأخلق معهم حوارات طويلة ومفيدة في الغالب ، ومن خلالهم أخلق صداقات تكون عميقة وطويلة ومفيدة . في المقابل هناك أشخاص يحضرون بمفردهم الى المعارض مثل طيف خفيف يتجولون وسط الأعمال المعروضة دون ضجيج أو زحمة أو ارباك من أحد .
اتصلت البارحة بالغاليري الذي يضم معرضي لرغبتي بالمرور ومعرفة الأخبار. عند دخولي كان الجو ممطراً في الخارج ، استقبلتني المرأة التي تعمل هناك وأشارت الى رجل يجلس على الطاولة يتصفح الكتاب الذي يضم أعمالي . وضعت مظلتي المبللة قرب الباب وأقتربت من الطاولة . رفع الرجل الغريب رأسه والتفت أليّ وهو ينهض ماداً يده للتحية ، بدا لي الوجه مألوفاً ، فقد رأيته في السابق، لكن أين ؟ مرت لحظات قبل أن اتذكره ، أنه يسكن في شارعنا ، أذكر أننا حيينا بعضنا من بعيد ذات مرة ، كنت وقتها خارجاً لأمارس الرياضة . أظهر لي قصاصة من صحيفة نشرت خبراً عن المعرض ، قد اقتطعها وحملها معه بعد أن تعرف الى صورتي . يبدو أنه قد قضى ساعة أو أكثر داخل المعرض وقد بدأ يحدثني عن الأعمال المفضلة لديه وقد رسم دوائر في قائمة المعروضات حول أسماء اللوحات القريبة من نفسه وذائقته ، كذلك أعجبته فكرة الربط بين الفن الشرقي والآرت ديكو وكيف استفدت من كل ذلك في أعمالي التي مزجت فيها الشرق مع الغرب لأعبر عن وجودي بين ثقافتين مختلفتين لكن تكملان بعضهما البعض جمالياً . تحدثنا طويلاً عن الأعمال وتقنياتها ، عن اسلوبي ومعالجتي للسطوح ، بدت لي أفكاره متميزة وجميلة واتضح أنه على اطلاع جيد بالفن رغم مظهره الذي يوحي بأنه رياضي اكثر منه شخص شغوف بالفن وأسراره وتقنياته . شربنا القهوة التي قدمتها لنا موظفة الغاليري ثم استاذنني بالخروج على أمل لقاء ثانٍ في مشغلي ، سحب خطواته خارجاً وهو يهم بفتح مظلته تحت المطر الذي لا يريد أن ينتهي ، واختفى بعيداً .
زوار من هذا النوع أيضاً لا يمكن أن أنساهم بسهولة ، فمرورهم الذي يبدو عابراً أو غامضاً فيه حضور مؤثر ويبقى في الذاكرة .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram