TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كيف أحبت أمي لوحات ريمبرانت

كيف أحبت أمي لوحات ريمبرانت

نشر في: 8 مايو, 2015: 09:01 م

في بداية شغفي بالرسم ، وانا صبي صغير ، كنت أجمع مصروفي اليومي الذي أحصل عليه من أمي وأضعه بحذر شديد في زجاجة خضراء طويلة ، كنت قد ثقبت غطاءها العريض بشكل يكفي لدخول القطع الصغيرة . إضافة الى ذلك كنت أحصل منها على بعض العلاوات السرية في بعض المناسبات والتي تأخذ طريقها في النهاية نحو فوهة هذه الزجاجة السحرية الخالدة في الذاكرة ، كنت أطمح من خلال ذلك لشراء كتاب ملون فيه لوحات الرسام دافنشي ، هذا الكتاب الذي رأيته في مكتبة في بداية شارع السعدون في بغداد ، وقتها كنت بصحبة ابن عمتي الكبير الذي رافقني لشراء حذاء جديد لي بعد أن أرسلني أهلي معه لهذه المهمة . هكذا صارت صفحات كتاب دافنشي تتوالى في ذهني وكذلك دراهم أمي تتدفق نحو الحصالة . أخيراً اكتملت الدراهم اللازمة ، لكن كتاب دافنشي لم ينتظرني طويلاً في محل بيع الكتب ، عندها قررت أن أشتري كتاباً عن فنان آخر تعرفت على اسمه هناك لأول مرة ، أنه ريمبرانت . وهكذا تعرفت على ريمبرانت وحصلت على أول كتاب فني في حياتي بفضل أمي وبفضل عنايتها واهتمامها . بعد سنوات وحين بدأت موهبتي في الرسم تتطور فكرت أن ألوح لها بمنديل محبتي واجعلها فخورة بي بالفعل ، حتى جاءت اللحظة التي أسحب فيها خطواتي نحو باب البيت أحمل هديتي الأولى التي حصلت عليها من المدرسة بسبب رسوماتي التي عرضتها هناك ، وقد رأيت في عينيها فرحاً كبيراً بسبب تميزي عن زملائي وكذلك لأنها رأت أن موهبتي بدأت بالتفتح والظهور .
كانت أمي تحتفظ بلوحات كلاسيكية في بيتنا القديم ، هي في الحقيقة نسخ رسمتها عن ريمبرانت وموريلو وأنا في المدرسة لتطوير مهاراتي في الرسم على يد الأساتذة الكبار ، كانت تعلقها في غرفة المعيشة وتتباهى بها أمام الضيوف ، لكني حين انتقلت الى الرسم الحديث كنت أقول لها أن زمن هذه الرسوم الواقعية قد انتهى يا أمي والآن هو زمن الفن الحديث . كانت لا تفهم سر تعلقي بالوجوه المشوهة التي كنت أرسمها لكنها في نفس الوقت كانت تثق بي ثقة كبيرة جداً ، الى أن سمعتها ذات مرة وأنا أهم بالنزول من مرسمي الذي يقع في الطابق العلوي من البيت ، تهمهم مع نفسها بعد أن أُعجب أحد الضيوف باللوحات الكلاسيكية وتقول ( المساكين لا يعرفون أن الرسم الحقيقي موجود في الطابق الثاني من البيت ) وأخذنا نضحك معاً على عتبات السلم وكأننا نحيك مؤامرة على الضيوف .
أتذكر الآن يوم افتتاح معرضي الشخصي الأول في قاعة التحرير وأنا أعود متأخراً بينما هي تنتظرني على باب الدار بشغف لا حدود له ، استبقت لقائي ببضع خطوات ، قبلتني وسألتني عن المعرض وحضور الناس وردود أفعالهم . سيبقى مشهد انتظارها لي هناك في حيّنا القديم في ذاكرتي الى الأبد.
في بداية التسعينات قررت السفر من العراق . مرت سنوات طوال وأنا في الخارج ولا أعرف شيئاً عن أمي وبقية العائلة ، كنت أحلم بها كثيراً ، كانت تتردد في ذاكرتي خطواتها وهي تستقبلني على باب البيت ، الى أن حلمت ذات مرة بأن لي جناحين أطير بهما نحو بغداد لأرى أمي هناك . وقتها سألت نفسي ، لماذا لا أرسم هذا الحلم ، وهكذا بدأت برسم سلسلة لوحات لأشخاص مجنحين يشبهون الملائكة ، رسمتهم بطريقة فيها الكثير من الرمزية والواقعية السحرية أذا صح التعبير . وكانت لوحة ( شوق الى البيت ) هي أولى لوحات هذه السلسة ثم تبعتها لوحات مثل الملاك الحارس والأقدام الراقصة وملاك شارد الذهن والرغبة المجنحة وغيرها الكثير .
في صباي كنت أرسم كي تحبني أمي أكثر وعندما كبرت عرفت بأنها مع كل لوحة جديدة كانت تفخر بي أكثر . لقد لاحظت ذلك حين فتحت لي ذراعيها وأنا أزور بغداد بعد سنوات طوال من الغياب القسري ، فتحت ذراعيها من جديد واحتضنتني على باب دارنا القديم وكأنها تعيد تصوير لوحة ريمبرانت ( عودة الابن الضال ) في ذلك الكتاب البعيد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram