TOP

جريدة المدى > غير مصنف > إنّهم يعبُّونَ من بويب.. ويُنكِرون

إنّهم يعبُّونَ من بويب.. ويُنكِرون

نشر في: 30 ديسمبر, 2009: 04:14 م

د. عبد الرضا عليّ كان بدر يحسُّ أنه لن يعيشَ طويلاً، فكان جلّ حلمهِ في الحياة، أن يكون لهُ بيتٌ يجدُ فيه الراحة، والطمأنينة، وامرأة تحبّه، لذلك كانت المرأة (كما صرّح) أكبر حافز دفعهُ إلى كتابة الشعر، وقد وضح ذلك في ديوانيهِ: "أزهار ذابلة" و"أساطير". أما تأثُّراتُه الشعرية، فقد كانت بالبحتري، وعليّ محمود طه، وأبي تمام، والجواهري، وغيرهم من الشعراء العرب،
 وبـ "شلّي" وشكسبير، وجون كيتس، وتوماس إليوت، وإديث سيتويل، ودانتي، وهوميروس، وفرجيل، وغوته، وغيرهم من الغربيين، لكنه يفردُ لأبي تمّام، وإديث سيتويل مكاناً خاصاً في هذا التأثر، إذ يقول في إجابتهِ لمحمود العبطة: "وحين أستعرض هذا التاريخ الطويل من التأثر أجدُ أنّ أبا تمّام وإديث سيتويل هما الغالبان".كان السيابُ أول شاعر وظَّف الأسطورة في الشعر الحديث توظيفاً فنياً، وجعلها في محورين: الأول هو المحور الجمالي، والثاني هو المحور السياسي، لأنه أسبق الشعراء ارتهاناً بها، وإن شاركهُ المجايلون لهُ بعد ذلك، ونعني بهم: نازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، وخليل حاوي، وغيرهم.إنّ بدراً حين وظّف الأسطورة في الشعر وجدها أعلى مراحل الرمز، كما أنه لم ينظر إليها كما نظر إليها إنسانها البدائي، إنما حمّلها موقف الفعل الخلاّق، لذلك لم يكتف بتوظيفها فنّياً، إنما حوّرها، وحمّل بعضها مضامين جديدة، ومن تلك المضامين:التوحد بالأسطورة قلب الأسطورة مزج الأسطورة بغيرها ومن أمثلة "التوحد بالأسطورة" قصيدتا "المسيح بعد الصلب" و"رحلَ النهار"، ففي الأولى يوحِّدُ السياب بين رمزي "تموز" و"السيد المسيح" عليه السلام، ثم يتوحَّدُ بهما من خلال مناجاة نفسيّة ذات وقعٍ جنائزي:مت كي يؤكل الخبز باسميوكي يزرعوني مع الموسمكم حياة سأحيا: ففي كل حفرةصرتُ مستقبلاً، صرتُ بذرهْصرتُ جيلاً من الناسِ: في كلِّ قلبٍ دميقطرةٌ منهُ أو بعضُ قطرةوفي الثانية "رحلَ النهار"، يوحِّدُ بين رمزي "السندباد البحري العربي" و"عوليس" الإغريقي، ثم يتوحَّدُ بهما. ففي القصيدة صوَّر انتظار حبيبتهِ لهُ بما يشبهُ انتظار "بنيلوب" لـ "عوليس" في الأوديسَّة. ولمّا كان رمز السندباد يُقاربُ من حيث الملمح الشعري رمز "عوليس"، فقد آثرَ السياب أن يتبناهُ في التصريح لكونهِ عربياً، ولأنّ صورة ارتحالهِ الدائم ماثلة أكثر من "عوليس" في وجدان القارئ العربي.فليس للسندباد زوجة معينة تنتظرهُ كما كانت "بنيلوب" تنتظر "عوليس".إنّ منجزات السياب الجماليّة، لم تتوقف عند التوظيف، إنما تجاوزتها إلى آفاقٍ فنية أخرى، كما في منجزات التداعي الحر، والمونولوج الدرامي، والمحاورة، والتناظر المصطنع، لكنّ الرمز ظلّ أثيراً في تجربتهِ الفنّية، فثقافتهُ الواسعة، ووعيهُ التام، جعلاهُ أقدر من غيرهِ على تفعيل الإبداع وجودياً، والدفاع عن هذا الاستخدام الجديد نقدياً، ولعل رسالته إلى سهيل إدريس في 7/5/1958، قد كشفت عن عمق قراءاته في هذا الجانب، فلأول مرة يتضح للمتلقي العربي أن مدينة (تعز) اليمنية، تسمية مأخوذة من (تاعوز)، التي تعني أصلاً (تموز).ولأهمية هذا الرأي، فإننا نقتطع هذا الجزء من الرسالة ونضعهُ بين أيدي القرّاء وأعينهم ليكون شهادة في صالح الإبداع الواعي، الذي يحمِّل الرمز موقف الفعل الخلاق، لهذا قال ردّاً على من سألهُ عن تلك الرموز: "إنّ العربَ أنفسهم تبنّوا هذهِ الرموز، وقد عرفت الكعبةُ بين إبراهيم الخليل.. وظهور النبيّ العربي العظيم جميع الآلهة البابليّة، فالعُزّى هي عشتار، واللاة هي اللاتو، ومناة هي منات، وودّ هو تموز، أو (أدون = السيّد)، كما كان يسمى أحياناً. بل إنّ العرب الجنوبيين أيضاً عرفوا هذه الآلهة. فتموز الذي يروي لنا بعض المؤرخين العرب، أنهُ رأى أهلَ حوران يبكونهُ، تحت اسم تاعوز.. عرفتهُ اليمن باسم تعز، وما زالت إحدى مدنها تسمى باسمه حتى اليوم، وتقابل تعز الذكر أُنثاهُ العُزّى. بل يخيلُ إليّ أحياناً أنّ قوم عاد وثمود قد كانوا من عبدةِ تموز: عاد، أو آد ـ العين والهمزة تحلُّ إحداهما محل الأخرى بين لغة سامية وأخرى ـ عاد = عادون، هو آدون: السيد، وثمود هو تموز".إذا كان السيد المسيح عليه السلام، قد حلَّ راغباً في أجسادِ مريديهِ، وظلّ دمهُ سارياً في قلوبهم:صرتُ جيلاً من الناسِ: في كلِّ قلبٍ دميقطرةٌ منهُ، أو بعضُ قطرهْفإنّ شعر السياب/ دمهُ قد حلَّ هو الآخر في بعض تجارب الأجيال الشعريّة التالية لهُ رغبة منهم، مع سبق الإصرار والترصّد، وليتهم اعترفوا بهذا التأثر، وأومأوا إلى أمكنةِ حلولهِ، وتركوا المكابرة، وتحلّوا بالأمانة الإبداعيّة في أقلِّ تقدير، لأننا وجدنا بعض مريديهِ ممن كانوا يعبُّونَ من بويب عبّاً، قبل إحكامهم الصنعة، قد تجّرأوا على إلقاء بعض الحصى في "بويب" ناكرين أنهم قد عبّوا منهُ، أو حتى ارتشفوا منه رشفات، إنهم كانوا قد تجاوزوا مرحلة الظمأ، وهم في قرارة أنفسهم كاذبون يدركون جيدا ان الزبد يذهبُ جفاءً، وأنّ ما ينفعُ الناسَ هو الذي يمكث في الأرض، ويبقى. ولسوف يدركون عاجلاً أم آجلاً أنهم

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

المرجعية العليا تدين العدوان على إيران وتدعو لوقف الحرب فوراً

إطلاق سراح 42,284 شخصاً في شباط بموجب قانون العفو

الأعرجي وعراقجي يبحثان تعزيز ضبط الحدود المشتركة لمنع التسلل خلال الحرب

طهران تحذر الاتحاد الأوروبي من "الانضمام إلى الحرب"

بدء مراسم وداع "خامنئي" وإيران تدخل مرحلة اختيار الخليفة!

ملحق منارات

الأكثر قراءة

الكهرباء: إمدادات الغاز مستمرة لكن الإنتاج ما زال متأثراً

مقالات ذات صلة

الكهرباء: إمدادات الغاز مستمرة لكن الإنتاج ما زال متأثراً
غير مصنف

الكهرباء: إمدادات الغاز مستمرة لكن الإنتاج ما زال متأثراً

متابعة/المدى أكدت وزارة الكهرباء، اليوم الثلاثاء (3 آذار 2026)، استمرار إمدادات الغاز من إيران بواقع 6 ملايين متر مكعب يومياً، مشيرة إلى أن الكميات الحالية ما تزال دون المستوى المطلوب وتؤثر على عمل محطات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram