TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الاقتصاد أولا

الاقتصاد أولا

نشر في: 23 أكتوبر, 2012: 07:57 م

الولايات المتحدة مدينة بفضل كبير الى صدام حسين. فقد أعطاها فرصة أولى من نوعها بغزو الكويت، اذ أتاح لها بذلك خوض أنجح حرب خارجية ساخنة في تاريخها. حتى أن جورج بوش الأب صرح فور نهايتها  قائلا:" بحق الله لقد محونا عقدة فيتنام الى الأبد!".
ولكن جورج بوش الإبن بدد محصول الوالد، وخلق بدل عقدة واحدة اثنتين،هما افغانستان والعراق، بعد حربي 2001 و2003. فالاثنتان خاسرتان . ولعلهما، ومن دون الخوض فيهما، شكلتا خلفية انتصار مسبق لأوباما على رومني في المناظرة الثالثة المخصصة للسياسة الخارجية الأميركية.
أما المناظرة نفسها فقد عززت فوز أوباما لأنه أظهر استنكارا للغة رومني التي استحضرت أشباح الحرب الباردة. صحيح أن هذه الحرب "الباردة" هي قصة نجاح خارجي أميركي آخر، ولكن جروح البلاد لم تندمل من العراق، وماتزال نازفة في افغانستان، وبالتالي فان المشاعر ليست مهيأة لاستقبال كلمات التلويح بحروب الخارج، باردة أو ساخنة.
لقد وضع التاريخ بلاد العم سام في مفارقة غريبة. فهي"الأمة الوحيدة التي صارت الأقوى في العالم دون ان تسلك الطريق العسكري" على ما قال ديغول أيام الحرب العالمية الثانية. فحتى ذلك الوقت لم تكن قد بدأت بعد "المغامرة الكونية" التي تلت غروب الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية. ومع انطلاق تلك المغامرة خاضت سلسلة حروب خارجية سيئة السمعة والنتيجة، عدا "عاصفة الصحراء"، وهي الحرب الخارجية الوحيدة التي حققت فيها الولايات المتحدة نصرا كاملا مشفوعا بشرعية دولية كاملة.
والمفارقة هي ان أميركا أصبحت في موقع القوة الأولى في العالم عبر مسيرة تطورية داخلية، بلا فتوح ولا حروب في الخارج. لكن هذا الموقع، الذي خصها بدور قيادي في مجلس الأمن، يملي على قوتها العسكرية وظيفة تشمل العالم، للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. فهي قائدة "الشرطة الدولية" أو رئيسة مخفر شرطة العالم.
وهذا "العز" كله لا ينال الا أقل الاهتمام لدى المواطن الأميركي. فالسياسة الخارجية، التي كانت  موضوع المناظرة الثالثة، ليست مركز اهتمامه، خلافا للسياسة الداخلية التي شغلت المناظرتين الأولى والثانية. ولعلهما اكثر نفعا وفائدة من الأخيرة لمشاهدي البلدان النامية. فالحكمة فيهما أن عيشة المواطن الكريمة هي الأهم، هي رأس الاهتمام ومركز الهوى.
المناظرة الثانية، مثلا، ناقشت سبعة موضوعات تكرر ذكر عناوينها 173 مرة، وكان نصيب موضوعات الداخل الخمسة منها 164مرة و9 لموضوعي الخارج وهما ليبيا وسوريا. والسبب في ذكر ليبيا داخلي ايضا، وهو مقتل الدبلوماسيين الأميركيين في الحادث المشهور. وتكرر ذكرها 5 مرات. سوريا موضوع الساعة ذكرت فقط 4 مرات. أما الموضوعات الخمسة الداخلية فذكرت بالتسلسل الآتي: الاقتصاد 66، العمل 46، مجال الطاقة 30، التوظيف 11، الهجرة الأجنبية 10 مرات.
هذه الأرقام تقول أن العالم هو اميركا بالنسبة الى الأميركي، وان المستوى المعيشي، او العيش الكريم هو موضوع المواطن، وليس الطائفة أو القومية أو الفكرة أو الحزب أو مجد الأمة. كل هذه الأشياء بخير طالما كانت عيشة المواطن الكريمة بخير. والعكس صحيح. أي أن لاشيء بخير اذا لم تكن حياة المواطنين بخير. هذه هي قاعدة التفكير الصحيح في البلدان الصحيحة. وهي بسيطة مفهومة مهضومة لدى العامل والعالِم. ومأتاها قريب في بلدان الاقتصاد أولا، بعيد في بلدان السياسة أولا. وهذان عالمان بينهما هوة سحيقة كالتي بين الأسطورة والحقيقة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram