TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أكبر لوحة شاهدتها في حياتي

أكبر لوحة شاهدتها في حياتي

نشر في: 19 يونيو, 2015: 09:01 م

كنت أسمع كثيراً عن لوحة "بانوراما مسداخ" وحجمها الهائل وتأثيرها الكبير ، لكني في كل كنت مرة أؤجل زيارتي لها في المتحف الذي يحمل نفس الاسم ، الى أن جاءت الفرصة المناسبة أثناء زيارتي الأخيرة لمدينة لاهاي ، حيث أستأجرت مكاناً قرب البحر لأقضي هناك يومين بصحبة زوجتي وبحر الشمال والبانوراما التي تقع في مكان قريب .
حملت حقيبتي ودفترا صغيرا فيه معلومات عن تاريخ ومواصفات هذا العمل الخالد واستقللنا الترام رقم واحد وأنا أعد المحطات للوصول الى شارع البحر رقم 65 حيث استقبلتنا على الباب يافطة كبيرة تشير الى اسم المتحف . مشينا الى الداخل باتجاه المرأة التي تقطع التذاكر والتي سلّمتنا تذكرتين عبارة عن ترحيب أو ضيافة كانت قد تركتها لنا الصديقة شارلوتا هاوخنس التي تعمل هناك كنائبة لمدير المتحف ، كانت أشارة راقية منها أعطتنا شعوراً بالارتياح . قطعت بعض الوقت في قاعات المتحف التي طغت عليها المناظر البحرية والسفن والصيادين قبل أن أصعد الى البانوراما من خلال سلّم يقع في نهاية ممر معتم وكأنه يهيئني للجو العام للعمل .
وقفت على السطح العلوي أتأمل هذا العمل الرهيب الذي يحيط بي على شكل دائرة ، كان الضوء الطبيعي يدخل الى المكان من خلال سقف زجاجي ، وتشعر من خلاله بأنك تقف على ساحل بحر حقيقي ، أتأمل البانوراما بارتفاعها الذي يصل الى 14 متراً وامتدادها الدائري الذي يصل الى 120 متراً وقد رسمت بالألوان الزيتية وبتأثير فيه هيبة لا تقاوم ، لوحة هائلة بحجم عملاق وخاصة اذا عرفنا انها أكبر من لوحة "الحراسة الليلية" لريمبرانت بثمانين مرة ! لكن كيف نُفذ العمل ومن قام به وتحت أية ظروف ؟ لقد كان المسؤول الأول عن هذه البانوراما هو الرسام هنريك وليم مسداخ ( 1831-1915 ) والذي ينتمي الى مدرسة لاهاي في الرسم وقد كان متخصصاً في رسم المناظر البحرية . وقد ساعده في ذلك أربعة رسامين أعدّوا معه التحضيرات اللازمة والدراسات الأولية للمشروع وقد حملوا أدواتهم وألوانهم وانهمكوا في الرسم لمدة أربعة أشهر كاملة لينجزوا هذه الأعجوبة سنة 1881 ، والرسامون هم ( دي بوك ) الذي رسم فضاء العمل والسماء إضافة الى الكثبان الرملية ، و (برايتنر) الذي رسم الخيالة والفرسان الذي يظهرون على الساحل ، و (بلومرس) الذي رسم بعض شخصيات الصيادين وكذلك الأم وبناتها اللواتي يودعن القوارب الذاهبة الى البحر، ثم هناك زوجة مردوخ الفنانة(سينتشه) التي اشتركت في رسم بيوت قرية سخيفيننغن الساحلية ، بينما تولى ( مسداخ ) نفسه رسم السفن والمراكب والبحر بشكل عام ، وهو بدلاً من أن يضع توقيعه على العمل قام برسم زوجته الرسامة وسط البانوراما حيث تجلس قرب البحر وهي ترسم احدى لوحاتها تحت مظلتها البيضاء وكان ذلك بمثابة تحية طريفة لها .
في ذلك الوقت كان افتتاح البانوراما حدثاً استثنائياً فريداً ، وقد أثرت كثيراً على الفنانين الشباب ومنهم فنسنت فان غوخ الذي كتب في احدى رسائله ( الشيء الوحيد الخطأ في هذه البانوراما هو أنها لا يوجد فيها أي خطأ ) . ومن المفارقات الغريبة أثناء الحرب العالمية الثانية حين كان الناس لا يجرؤون على الذهاب الى ساحل البحر خوفاً من القصف النازي ، لهذا كان الكثير منهم يلجأون الى البانوراما ويجلسون على الرمال الممتدة والمتداخلة مع العمل الفني كي يشعروا بأنهم فعلاً قرب البحر .
بعد رؤية البانوراما وكل تفاصيلها من كل الجهات نزلت على السلم المؤدي الى قاعات المتحف وقد اختلط عندي الواقع بالخيال والحقيقة بالوهم ، كنت أشعر بأني وسط جزيرة والبحر يدور من حولي ، أعيش رؤية عمل فني حقيقي وكبير فيه كل عناصر الدهشة والإبهار والجاذبية والسحر اللذيذ . أسترخي قليلاً في مقهى المتحف مع فنجان قهوة وكعك هولندي وأنا أفكر بعبقرية مسداخ الذي كان بالفعل مؤسسة فنية كاملة وعبقرية تمشي على قدمين.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram