TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العراق وإيران ومتاهة أرقام نيوتن

العراق وإيران ومتاهة أرقام نيوتن

نشر في: 23 أكتوبر, 2012: 08:08 م

حكاية نيوتن وولعه بالأرقام بين الأمور التي أتذكرها مرات عدة كل أسبوع وأشارك أصدقائي الدهشة بها، ونيوتن هذا لم يكن مجرد مكتشف لقوانين الجاذبية، بقدر ما كان عاملا رهيبا في إخراجنا نحن العرب والمسلمين، من التاريخ حين خسرنا ببساطة لعبة الأرقام.
والأمر له صلة بتفسير ساحر ينقله عبد الكريم سروش حين يجيب على سؤال: كيف عثرت اوربا على اسرار العلم وتطورت وما الذي حدث بالضبط مع نيوتن قبل خمسة قرون وجعله يكشف قوانين الحركة ويمهد لصناعة المحركات؟
ينقل سروش عن فيلسوف علم لا أتذكره أن نيوتن كان يتأمل السماء فوجدها مثل سقف كنيسة او كاتدرائية، مملوءة بلوحات عن الجن والأبالسة والشياطين والإلهة والأساطير. كانت اللوحات جميلة لكنها تحجب صورة الكون. حرك نيوتن يده ومسح بها السماء الملونة بالإيقونات والرسوم الكنسية فقام بمحوها وظهرت تحتها فجأة معادلات رياضية وأرقام وأسرار تفسر الأشياء بشكل علمي، فبدل ان يقول الكاهن ان إله المطر صب الماء من الاعلى، كانت معادلات الجاذبية تشرح كيف تتكثف الابخرة وتصبح ثقيلة لتنزل على الارض. الرقم مالك الحقيقة يقودك لعالم الاسرار، وقد قامت الاسطورة بإخفاء ارقام الحقيقة تحت صور الابالسة والعفاريت، ازالها نيوتن وأرسل بني جلدته لاحقا الى القمر وصنع لهم اي باد ايضا!
وقد كان لدينا علماء برعوا في علم الارقام والحساب مثل الخوارزمي لكننا فرطنا بهم ونسيناهم بينما نجح الاوربيون في اقتفاء اثر صاحب التفاحة الشهير. والنتيجة كما افهمها وانا اتجول في مطارات الغرب وشوارعه، ان علي ان اتعلم جداول حسابية معقدة كي أتعلم العيش في الغرب "لا سمح الله" فلكل مدينة شوارع وأزقة وعمارات مرقمة، غربا وشرقا وبدون الرقم لن تصل إلى أي عنوان. اتبع الأرقام وستصل بسرعة وسهولة. أما في بغداد فأنت تقول للسائق: خذني إلى الوزيرية، مقابل شربت الطارق، بعد مسرح الطليعة ولا رقم ولا هم يحزنون. وتسأل ألف مرة قبل أن تهتدي لهذه النقاط الدالة، كأنك عربي في صحرائنا الساحرة يبحث عن بئر بني جديس، في تهامة، قبل مفازة الغيلان بمسيرة يومين وليلة!
الأرقام نجحت في إرشاد الحضارة الغربية الى جزء كبير من الحقيقة وعلمتها التنظيم الدقيق لكل شيء. حتى نذالتهم وأنانيتهم جرى تنظيمها لتقليص مساوئها، بينما لا زلنا تائهين في الاساطير والاحلام وداخل عالم كبير من "حساب العرب" الذي منع كل نجاحاتنا.
ومن هذه الاساطير ان ايران قادرة على مناطحة الغرب. لكنني اقرأ خبرا يقول ان الارقام الغربية صارت تعبث بكل تفاصيل الجار الإيراني كما عبثت بنا وإعادتنا الى العصر الحجري. بضعة ارقام ومعادلات قامت بشل عراق ١٩٩٠ وبضعة أرقام نجحت في شل شركة النقل البحري الايرانية قبل ايام. ان عشرات السفن الإيرانية محجوزة في موانئ العالم اذ لم يعد يحق لها الحركة والتزود بالوقود بسبب العقوبات كما يقول اغاي داجمر مدير شركة النقل البحري، الذي يكشف ايضا ان هجمات امريكية بالفايروسات عطلت سيستم الحاسوب في شركته وصارت البضائع تفقد وتختفي او ترسل الى عناوين خاطئة واصيبت شركته بالدوار. وحكاية الارقام في ايران هذه الايام مرعبة، وهي تفكك اساطير الصمود الملحمي وترسم لنا انهيار بلد نجح اخر عشرين سنة في اعادة اعمار بنيته التحتية والتنموية لكن اخطاء ساسته تجلد شعبه وتأخذه نحو مصير مجهول.
أرقامهم تقوم بتعريتنا كأي نمر من ورق أو أسد مزيف. لماذا جعلنا أنفسنا في مواجهة نيوتن؟ لماذا نعجز عن مسح السماء وإبعاد صور الأساطير والمبالغات لنستخرج ما خفي تحتها من حقيقة؟ هل سيطول وقوفنا تحت سقف الوهم الذي يفقدنا الصلة بالواقع ويبدد أعمارنا ومصائرنا؟
 إن الأرقام تواصل لعننا. لكنني قرأت قبل قليل خبرا يتعلق بقانون الانتخابات أفرحني قليلا، وهو ان قضاءنا ابطل الفقرة الخاصة باحتساب أصوات الناخبين ومنع أن تلتهم الأحزاب الكبيرة أصوات الأحزاب الصغيرة، وهذا معناه ان ينجح المعتدلون والقوى الديمقراطية في استعادة نحو مليون صوت ضاعت عام ٢٠١٠ والتهمتها حيتان البرلمان بسبب معادلة "الخاسر الاقوى والرابح الاصغر" او شيء من هذا القبيل. مرشح معتدل يحصل على ٢٠ ألف صوت فيخسر، ومرشح مع حزب كبير يحصل على ٢٠ صوتا فيفوز! ولكن هل سيقوم النواب بالتعديل ام يريدون إبقاءنا تحت سماء الأساطير السياسية التي أضاعت علينا ألف سنة من ممكنات النجاح؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram