TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > فصل فـي الضياع

فصل فـي الضياع

نشر في: 4 يوليو, 2015: 09:01 م

كلما التقيت مسؤولا عراقيا شعرت بالخيبة وتحسست الخذلان، وكلما جالسته اكثر شعرت بفداحة الخسارة التي تنتظرنا كشعب. لا أقول ذلك تحاملا ولا تطاولا على احد، بل هي حقيقة أعرف حجم أهمية البوح بها. وإذا كان موروثنا السياسي يحدثنا عن تفاهات بعض أعضاء الطبقة السياسية في العهد الملكي، وإذا كان الملا عبود الكرخي قد أرخ للتفاهة تلك، وإذا كنا عشنا التفاهة زمن النظام السابق، نقول إن طبقتنا السياسية اليوم، ومنذ أكثر من عقد من الزمن تتقلب في بحر من التفاهة كبير، فقدنا معه أي امل يتحسن وضعنا كمواطنين أحياء أو شبه أحياء وبمستقبل أبنائنا كأجيال قادمة .
ولأنني قروي، وعلى قدر من السذاجة، لا أجد في المحاصصة السياسية او الطائفية وحتى المؤسسة السياسية الدينية سبباً في سوء اوضاع العراق العامة في تردي الأمن والاقتصاد بشكل خاص، ففي مجتمعات أخرى (لبنان) مثلا لا نعدم وجود المخلصين الاسوياء بين هؤلاء، وقد يمكننا بهم تجاوز الكثير من العقبات لأننا لا نعدم بينهم من هو بمستوى المسؤولية والوطنية، إذ يمكننا الوقوع على شخصيات تتمتع بشعور ديني – طائفي – قومي –قبلي لكنها تمتلك حسا وطنياً أو إنسانيا في أقل تقدير. ونذهب في سذاجتنا أكثر فنقول: يمكننا الوقوع أيضا على شخصيات مريضة بأمراض شتى، من التي ذكرنا لكنها قد تمتلك الحد الأدنى من الشعور الإنساني، الذي منه العفاف وحب البناء وتقديم الخدمات. أما أن نفتقد ذلك كله فهذا مما لا يتصوره ساذج مثلي .
كشفت وتكشف لنا يوميا مئات الوثائق والتقارير خريطة العهر السياسي العراقي وهو يتقلب في أقبح صوره، وهالنا أن القليل جدا من هؤلاء سلم من ذلك، وصرنا نعجب ونستغرب من حديث برلماني ما او مسؤول هنا وهناك ساعة يحدثنا بما ينسجم مع شعورنا بفداحة ما نحن فيه، أو وهو يكشف لنا عن حجم السرقات والإتاوات والرشا التي تقاضاها العدد الأكبر من الطبقة السياسية العراقية. لكننا مقابل ذلك صرنا لا نحتمل عن يقين قذارة الصمت الذي يمارسه اصحاب الايدي العفيفة -مع ندرتهم بيننا-. إذ لن يكون الصمت عن انهيار القيم والمفاهيم وضياع الوطن وفقدان الأمل بابا للعفاف والتكرم والنبل حتى وإن كان صاحبه من العفة بمنزلة الانبياء والمرسلين والمعصومين.
نحن لا نتجنى على احد، ولا خصومة بيننا وبين أحد من هؤلاء، لكننا (النخب الوطنية) ومن خلال احاديث متفرقة بين هذا وذاك منهم، نقع على ما لا ينبغي الصمت معه، كنا قد مددنا يد العون من خلال تصورات وممكنات نظن أن اوضاعنا ستستقيم إن جعلناها نصب أعيننا، لكن الطاقم السياسي- الديني- الطائفي..لا يصغي لنداءات كهذه، ظل معتقداً بانه إنما يبتغي وجه الله حتى في خصومته مع المشتركين معه في الطائفة ذاتها. والحال هذه تُترجم في صورتها الجلية داخل المباني الحكومية، إذ لم تكن دائرة المحافظ على وئام مع دائرة مجلس المحافظة منذ تشكيلتها الأولى إلى اليوم، ولم تتقدم مصلحة المدينة على طاولة مشتركة بينهما يوما واحداً خلال عقد من الزمان، فقد كانت الخلافات والحروب غير المعلنة تستعر بين حزب هذا وحزب ذاك، ودارت سلاسل الخلافات لتصل إلى المال الكبير المستقطع من المشاريع مقابل منح الكرسي هذا لهذا، ورفعه من تحت ذاك لذاك، وهكذا صرنا نقرأ كل صوت مشاكس لا على أساس الصدق والامانة والاخلاص إنما على أساس الكيد والتربص والايقاع والخديعة.
من اجل وطننا الذي يضيع ومن أجل الحلم الذي لن يتحقق وطنا، سنحسن الظن بالمحاصصة الحزبية والمشارط الطائفية، سنحسن الظن بالذين سرقوا المال حتى صرنا نستجدي البنك الدولي، سنحسن الظن بالمسلحين على كثرة بنادقهم واختلاف مشاربهم، لأننا صرنا نعول على مستقبل آمن لنا ولأجيالنا القادمة على النخب التي تتقاتل داخل المباني الحكومية وخارجها. يؤسفنا قول ذلك، لكن هل نملك خياراً يا ترى؟؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. ابو سجاد

    ليس لنا خيار لاننا اخترنا سلفا الذل والخنوع والانتهازية وهذا هو ديدن الانسان العراقي لاتتعب نفسك بالبحث عن خيار

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram