TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > فان غوخ يطير في سماء المدينة

فان غوخ يطير في سماء المدينة

نشر في: 16 أكتوبر, 2015: 09:01 م

على بعد خمس دقائق أقطعها من بيتي بالدراجة الهوائية يقام معرض لفنسنت فان غوخ في مدينة دراختن حيث أعيش وأرسم، وهو واحد من المعارض والنشاطات التي تتوزع في هولندا الآن حول هذا الفنان بمناسبة مرور 125 سنة على وفاته. يعتبر هذا المعرض خاصاً وفريداً حيث تُعرض فيه بعض أعمال الفنان التي نُفِذَت من جديد وعولِجَت بطرق خاصة كي تكون ثلاثية الأبعاد.
قام المشرفون على المعرض بصنع منطاد كبير بل هائل الحجم وجعلوه يحلّق في فضاء المدينة، منطاد على هيئة فنسنت فان غوخ نفسه، ظهر في السماء وكأنه منحوتة ملونة للفنان الرائع تطير في فضاء المدينة بسمائها الزرقاء، تحيط به بعض الغيوم البيضاء الصغيرة التي توشك أن تظلله وتحميه من أشعة الشمس. فنسنت الذي لم يفهمه أو يفهم أعماله وأفكاره أحد أثناء حياته، يشكل اليوم مصدراً مهماً من مصادر اقتصاد البلد حيث يزور متحفه في مدينة أمستردام مليون ونصف المليون زائر سنوياً.
فان غوخ ليس فقط رساماً كبيراً مرّ في تاريخ هولندا والعالم ومضى، بل هو ماركة مسجلة للبلد، انه بصمة ذهبية في تاريخ الرسم، هو قلادة وتاج الفن الذي تفخر به المتاحف في كل مكان، فنسنت الانسان الرائي والفنان المثقف الذي ضحى بكل شيء بما في ذلك حياته كي يعيش كفنان صادق وانسان نزيه حتى في أحلك وأصعب الظروف.
في مرحلته الهولندية ، رسم الكثير ومنها لوحته الشهيرة ( آكلوا البطاطس) وهي أعظم أعماله في هذه الفترة، كان فخوراً بها حيث تمثل عائلة (دي خروت) وهم يأكلون البطاطس بنفس الأيدي التي كانوا يستعملونها في تكسير الحجارة وحفر المناجم، كانت تُعينَهُ هذه المقارنة على اكتشاف نفسه المحبة للخير والأنسان وكان ميالاً الى هذه المواضيع التي تقربه من الناس أكثر، هو الذي كان منغمساً بقراءة كتب شكسبير وتشارلز ديكيز وفكتور هوغو. لقد رسم هذه اللوحة عشر مرات تقريباً، بحجوم وبتقنيات ومواد مختلفة، حتى أن بعض مؤرخي الفن يعتقدون بأن المرأة التي على اليمين في هذه اللوحة كانت حاملاً من فنسنت نفسه، لكن أحفاد هذه العائلة الذين شاهدت لقاء معهم في التلفزيون الهولندي وهم يتحدثون عن هذا العمل الخالد، يستبعدون علاقة الرسام بجدتهم.
لم يحب أو يؤمن فنسنت بغير الانسان، وحتى حين ذهب الى الكنيسة التي في مدينته لم يدخلها، لكنه بقي ينظر اليها من الخارج وقام برسمها، وكذلك طلب من بعض الأشخاص الذين يدخلونها للصلاة أن يتوقفوا ليرسمهم مقابل مبلغ بسيط من المال ما أثار غضب وانزعاج القس الذي أخذ يعطي لهؤلاء بعض السنتات ليبتعدوا عن طريق هذا الرسام غريب الأطوار.
ليس هناك فنان من فناني القرن التاسع عشر أثّر على الفن والفنانين كما أثَّر فنسنت فان غوخ، هو الذي سقى الانطباعية بماء روحه وقوّى عودها، جعلها طريقاً يمتد بعيداً في الأفق، ومن خلال موهبته الفذة فتح طريقاً جديداً أمامها، طريقاً لم يسلكه أحد من قبل، أدى الى ما بعد الانطباعية والوحشية ثم سار حثيثاً واثقاً نحو التعبيرية.
حين انتقل فنسنت من هولندا الى باريس لم يكن يعرف أو يقدِّر ما كان ينتظره هناك وما سيحدث له، هو الذي عبأ حقيبته بالملابس وبعض أدوات الرسم مع تقاليد مدرسة لاهاي وألوانها البنية القاتمة، لتشرق لوحاته تحت شمس باريس وضوء نوافذها البهيجة، هناك تفتحت زهور ابداعه التي كانت نائمة تحت غيمة شكوك الآخرين ولامبالاتهم. تحول من المشاهد القاتمة الى الحقول البنفسجية المشرقة بضوء الأفق الجنوبي. الآن وقد ذهب فنسنت بعيداً وقد توّج رحلته بالعذاب والفن، هاهو منطاده يحلق في سماء المدينة وهو ينظر لنا بشعره الأحمر وقبعته الزرقاء. أرفع رأسي لأتأمله وأشعر بأن روح الفنان تغطي سماء المدينة بكاملها.
 يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram