TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الخروج من غابة الغرائز

الخروج من غابة الغرائز

نشر في: 7 نوفمبر, 2015: 09:01 م

استرجع اليوم تفكيرا قديما حول لغتنا العربية وهي عندي شهية لذيذة فاخرة. ان سحرها هذا لا ينفي انها لغة جرى استخدامها في اشياء يتعلق معظمها بإشعال النزاعات، لا فضها وتسويتها والدعوة الى السلام واللاعنف. ولذلك فان القاموس المتاح في رؤوسنا لا يمنح المرء، حين يندلع اي نزاع، سوى ثلاث او اربع قواعد للتفاوض والتعامل، وحين يمد المرء يده في جيبه ليستعين بقاعدة اضافية تضمن المطاولة والمناورة والاقناع، سيجد جيوبه خالية من الصياغات اللغوية المناسبة مثل خزينة تاجر مفلس. وحينها لن يكون معقولاً ان يجلس بصمت على طاولة التفاوض، فيستمر بالكلام ولكن بحدة هذه المرة، ولا يبقى امامه سوى الاستفادة من خزين التشاتم والتلاعن والتحريض ونهاية ذلك معروفة، سيوف تعانق سيوفاً، ومدافع تصرخ في وجه مدافع.
ليس العيب في اللغة طبعا، بل في اننا لم نتلق التدريب الكافي على تطوير فن الكلام بما يتناسب مع ممكنات التسوية الحياتية، بالضبط كما اننا لم نمتلك التدريب الكافي على صناعة محرك او تشييد ناطحة سحاب.
وبسبب نقص خبرتنا في فهم ضرورة التفاوض، نفقد الصبر ونسخر من المفاوضين الاجانب، ونقول بسخرية ان الاجانب لا يملون من الكلام! بينما نحن نمل بسرعة، ونضيق ذرعاً، ونحب "التمسك بالمبادئ وعدم المساومة" فنهرع الى القتال، ونغطس في الدم، ونتذوق خسارات لا تنقطع.
التاريخ اذا تذكرناه كدرس لا كملحمة وبكائية، سيعلمنا الشك في القدرة الحالية لقاموس التفاهم. وهو شك حميد يمكن ان يشجعنا على البدء بالتدرب على اداء اكثر جلادة وصبراً. وهو صبر لا يقل في اهميته ومعناه عن صبر المحاربين تحت وابل القصف. وبدون الصبر لن نتمكن من ان نملأ جيوبنا بقواعد تفاوض واقناع ومخارج لمختلف المآزق، لتقليل فرص ان نغرق في الدم كحمقى عاجزين.
الامر الاخر الذي يخطر على بالي اليوم هو ضرورة ان نعتاد على النسبية، لتخفيف تطرفنا، ولنكون مؤهلين اكثر في التعامل مع الخصم. ان كل طرف محلي يقوم بشيطنة خصمه، شيطنة تامة مطلقة وتغيب عنه رؤية النواحي المؤثرة في الخصم والتي يمكن ان تمنحنا فهما اعمق لتجنب مخاطر كثيرة. ان التغافل عن هذه "النسبية"، سيورطنا في التمادي، وسيجعل الجزء الشرير من خصمنا، يخرب الجزء الطيب فينا. وحينها سنتحول الى قوم بدائيين نرقص فوق جثث بعضنا بسعادة غامرة، تحت مبرر اننا على "حق مطلق" وان المقابل هو "شر مطلق". هذه القناعة هي فتوى إبادة، لا للخصم فقط، بل ابادة الخير في دواخلنا. وحين نتحول الى وحوش فسنأكل كل شيء، القريب قبل البعيد!
هذا النوع من المراجعة، للغة ولمبدأ النسبية في تقييم الخصوم والاعداء، سيساعدنا في ان نتحرك ببطء لنخرج من غابة الغرائز الجامحة، ونحاول ان نلتحق بعالم تستقر قواعده وقوانينه، ويدير صراعاته بالاساليب الاقل كلفة. وهو منفذ للخروج من التخلف السياسي المنتج للموت العام

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. مهند محمد البياتي

    مع الاسف لم نتعلم او نتدرب في مدارسنا و في جامعاتنا على الحوار و ابداء الرأي المعارض او المخالف، و حتى نظامنا الجامعي لاي يسمح للطالب باختيار مدرسيه او مواضيع دراسته، فهو مقيد بكل شئ و لا يعرف غير التلقين و الحفظ و تكرار ما يقوله اساتذته، لذا فقاموس معلوم

  2. مهند محمد البياتي

    مع الاسف لم نتعلم او نتدرب في مدارسنا و في جامعاتنا على الحوار و ابداء الرأي المعارض او المخالف، و حتى نظامنا الجامعي لاي يسمح للطالب باختيار مدرسيه او مواضيع دراسته، فهو مقيد بكل شئ و لا يعرف غير التلقين و الحفظ و تكرار ما يقوله اساتذته، لذا فقاموس معلوم

يحدث الآن

تسجيل حالات تسمم بعد تناول "لفات برگر" في ميسان

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على أفغان يساعدون الحوثيين

الإطاحة بعصابة خطرة لتجارة المخدرات والنصب والاحتيال في بغداد

زلزال قوي يضرب سواحل اليابان

إدارة ترامب تبحث عن دول بديلة لترحيل المهاجرين

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

الطائفيّة بين الاستعمار ومناهضة الاستعمار

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram